الاكتئاب لدى الشباب ليس مجرد "مرحلة عابرة"، بل يجب التعامل معه بجدية كمرض. وتُصاب الفتيات به بشكل خاص.
تُظهر دراسة حديثة أن اختلال التوازن بين بعض المواد في الدماغ لا يزيد فقط من خطر الإصابة بالاكتئاب، بل قد يُنبئ أيضاً بإمكانية تعافي المصابين به من عدمها.
يُعاني حوالي 280 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب.
وتُعدّ النساء أكثر عرضةً للإصابة به بمقدار الضعف مقارنةً بالرجال.
ووفقًا للمكتب الاتحادي للإحصاء، فإنّ حالات الإصابة في ألمانيا آخذةٌ في الازدياد، بما في ذلك بين الأطفال والمراهقين.
ففي الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا، تضاعف عدد الحالات سبع مرات تقريبًا. وهنا أيضًا، يتضح أنّ الفتيات أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب من الفتيان.
ولكن ما السبب؟
أجرى فريق بحث دولي دراسةً شملت 150 مراهقًا لتحديد عوامل الخطر البيولوجية للاكتئاب في فترة المراهقة، ولا سيما الاختلافات بين الجنسين في ما يُسمى بمسار الكينورينين الأيضي.
يمكن لهذه العملية الكيميائية الحيوية أن تؤثر على التوازن بين الحماية والضرر في الدماغ.
درس الباحثون كيفية ارتباط ذلك بخطر الإصابة بالاكتئاب ومساره والتعافي منه، ووجدوا اختلافاتٍ كبيرة بين الفتيات والفتيان.
قام الباحثون بدراسة عملية محددة
تناولت الدراسة دور استقلاب الكينورينين في الاكتئاب لدى المراهقين، مع التركيز بشكل خاص على الاختلافات بين الجنسين.
يُعد هذا المسار الأيضي مسارًا مركزيًا لمعالجة التربتوفان، وهو حمض أميني يُسهم أيضًا في إنتاج السيروتونين، هرمون السعادة.
يُنتج مسار الكينورينين موادًا وقائية (تحمي الأعصاب) ومواد ضارة (تؤثر سلبًا على الأعصاب) للدماغ. وقد وُجد خلل في توازن هذه النواتج الأيضية لدى البالغين المصابين بالاكتئاب.
ولكن لم يكن واضحًا سابقًا ما إذا كان هذا الخلل موجودًا أيضًا في مرحلة المراهقة.
أراد الباحثون توضيح ما إذا كانت التغيرات في هذه العملية الأيضية تحدث لدى المراهقين المعرضين لخطر متزايد للإصابة بالاكتئاب أو المصابين به، وما إذا كانت هذه التغيرات تختلف بين الفتيات والفتيان.
بالإضافة إلى ذلك، بحثوا فيما إذا كانت هذه التغيرات قادرة على التنبؤ بمسار الاكتئاب لاحقًا.
شارك 150 مراهقًا مصابًا بالاكتئاب وغير مصابين به
أُجريت الدراسة تحت إشراف علماء من كلية King’s College لندن وجامعة do Rio Grande do Sul الفيدرالية في البرازيل.
استُقيت البيانات من دراسة IDEA-RiSCo، وهي دراسة برازيلية طويلة الأمد شملت 150 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 14 و16 عامًا (بالإنجليزية: Identifying
قُسّم المشاركون إلى ثلاث مجموعات مختلفة، وفُصلوا حسب الجنس.
المجموعة الأولى: خطر منخفض للإصابة بالاكتئاب
المجموعة الثانية: عالية الخطورة
المجموعة الثالثة: الاكتئاب الموجود
استند التصنيف إلى مقياس مخاطر معتمد للاكتئاب.
خضع جميع المشاركين لفحوصات سريرية شاملة في البداية، وتم أخذ عينات دم منهم. بعد ثلاث سنوات، أُعيد فحص المراهقين المصابين بالاكتئاب لتحليل مسار المرض، لقياس مستقلبات kynurenine ، استخدم الفريق طريقة عالية الدقة تُسمى UHPLC-MS، وهي اختصار لتقنية كروماتوغرافيا السائل فائق الأداء المقترنة بقياس الطيف الكتلي الترادفي. بالإضافة إلى ذلك، تم تحليل المؤشرات الالتهابية في الدم، المعروفة باسم السيتوكينات. ترتفع مستويات السيتوكينات، على سبيل المثال، أثناء العدوى أو الإجهاد أو الأمراض. أُجري تحليل البيانات باستخدام إجراءات إحصائية صارمة، بما في ذلك تصحيحات الاختبارات المتعددة، لضمان صحة النتائج.
أدى استقلاب الفتيات إلى إنتاج نوع من "السموم العصبية".
أظهرت الدراسة أن المراهقين المعرضين لخطر الإصابة بالاكتئاب، وكذلك المصابين به، لديهم تركيزات أقل من حمض الكينورينيك، وهو مستقل عصبي وقائي، مقارنةً بالمراهقين الأقل عرضةً للخطر.
كما انخفضت نسبة حمض الكينورينيك إلى حمض الكينولينيك - وهو ناتج أيضي سام للأعصاب - بشكل ملحوظ في هاتين المجموعتين. يزيد هذا "السم العصبي" من الإجهاد التأكسدي في الخلايا، مما يؤدي إلى مزيد من الضرر.
ترتبط المستويات المرتفعة من حمض الكينولينيك بالعديد من الأمراض العصبية والنفسية والتنكسية، بما في ذلك اضطرابات القلق والاكتئاب ومرض الزهايمر ومرض باركنسون والتصلب المتعدد.
علاوة على ذلك، لوحظ وجود ارتباط إيجابي بين السيتوكينات المحفزة للالتهاب والمستقلبات العصبية السامة، مثل حمض الكينولينيك، لدى المراهقين المعرضين لخطر الإصابة بالاكتئاب أو المصابين به، مما يشير إلى تفاقم عمليات تلف الدماغ بفعل الالتهاب.
كشفت الدراسة عن اختلافات خاصة بالجنس
والجدير بالذكر أن هذه الاختلافات الأيضية ظهرت فقط لدى المراهقات.
علاوة على ذلك، وجد الباحثون اختلافات أيضية أخرى خلال فترة المتابعة التي امتدت لثلاث سنوات. فقد تبين أن الفتيات المصابات بالاكتئاب المستمر لديهن تركيزات أعلى من المستقلبات العصبية السامة مقارنةً بالفتيات اللاتي تعافين مع مرور الوقت. يشير هذا إلى أن زيادة النشاط العصبي السام في مسار الكينورينين الأيضي قد يعيق التغلب على الاكتئاب لدى بعض المراهقين.
ما أهمية هذه النتائج؟
تؤكد النتائج أن الاكتئاب لدى المراهقات يرتبط بتغيرات بيولوجية قابلة للقياس في استقلاب الدماغ، ولا سيما باختلال التوازن نحو المواد السامة للأعصاب.
لم يرتبط هذا التغير الأيضي بظهور الاكتئاب فحسب، بل ارتبط أيضًا بمساره المزمن.
وبذلك، تحدد الدراسة مؤشرات حيوية محتملة قد تساعد في الكشف المبكر عن الفتيات المعرضات للخطر وعلاجهن بشكل خاص. يشير الارتباط بين العمليات الالتهابية ونواتج الأيض السامة للأعصاب إلى أن الاستجابات المناعية قد تلعب دورًا محوريًا في تطور الاكتئاب واستمراره.
خاتمة
تُظهر الدراسة لأول مرة أن استقلاب الكينورينين يضطرب لدى الفتيات المصابات بالاكتئاب في سن المراهقة، مع تحول نحو المواد السامة للأعصاب.
لا تُشير هذه التغيرات إلى خطر الإصابة بالاكتئاب فحسب، بل تُؤثر أيضًا على مساره. تُشير النتائج إلى إمكانية استخدام المؤشرات الحيوية، مثل حمض الكينورينيك ونسبه إلى المستقلبات الأخرى، للكشف المبكر وتخصيص العلاجات. تُمهد نتائج البحث الطريق أمام مناهج علاجية مُخصصة لكل جنس في مجال الطب النفسي للمراهقين.
هذه المقالة ترجمة آلية للنسخة الألمانية الأصلية من مجلة FITBOOK.









