شعار مجلة وفاء

كيف تتحدث مع نفسك؟

شارك:

كيف تتحدث مع نفسك؟

يُعدّ الحديث مع الذات وسيلةً مُثبتة لتعزيز الدافعية، والتفكير بوضوح، والتعامل مع المشاعر. ستساعدك هذه النصائح على استخدامه بشكلٍ فعّال

"أنتِ تُحدّثين نفسكِ مجدداً." هذا التعليق من صديقة قديمة، وموجّه لي. كلمة "مجدداً" تُشير إلى أنها ليست المرة الأولى التي تُلاحظ فيها ذلك. نعم، أنا كثيرة الحديث مع نفسي. غالباً ما يكون حديثي داخلياً، لكن أحياناً يصدر صوت أو إيماءة، فيُدرك الآخرون أنني أُجري حواراً داخلياً.

يشعر صديقي بضرورة لفت انتباهي إلى هذه العادة، لأن الحديث مع النفس يُنظر إليه نظرة سلبية. فهو يُربط غالبًا بالتدهور المعرفي في الشيخوخة، والانطواء، وهذيان غريبي الأطوار. ولكن إلى جانب جميع الطرق الأخرى التي نستخدمها للتعبير عن أنفسنا، يُعدّ الحديث مع النفس أداةً بالغة الأهمية. فالرياضيون ومدربوهم يُنمّون هذه العادة بنشاط، ويستخدمها ملايين الأشخاص الناجحين بذكاء.

لقد درستُ فنّ الحديث بجميع أشكاله لعقود، وألّفتُ مؤخراً كتاباً عن فوائده الخفية. إنّ التحدث مع النفس وسيلة ممتازة تساعدك على التركيز، وحلّ المشكلات، وتعزيز دافعيتك، وتوضيح أفكارك – وفي هذا الدليل سأُريك كيف تجني هذه الفوائد بنفسك.

العلم وراء فوائد الحديث مع الذات

تُعدّ العديد من فوائد التحدث مع النفس نتيجة طبيعية لعمليات الدماغ التي تُخطط وتُنفذ حديثنا. فعندما نرغب في التواصل باستخدام اللغة - سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين – علينا التركيز على الرسالة التي نريد إيصالها لتنشيط عملية التفكير لدينا. وبعد التركيز على أفكارنا بغرض الحديث، يتبع ذلك بشكل طبيعي تفكير أعمق في تلك الأفكار، مما يُساعد غالبًا على توضيحها وتوجيه أفعالنا.

كيف يُمكن للكلام أن يُحقق ذلك؟ على الرغم من أننا لا نُدرك ذلك عادةً، إلا أن الكلام مهمة ذهنية شاقة تتطلب تركيزًا داخليًا كبيرًا لكي تُؤتي ثمارها. كلٌّ منا يعرف أكثر من 50,000 كلمة، وللتعبير عن سبب عدم تمكننا من الذهاب لتناول الغداء، علينا استحضار الكلمات التسع التي نحتاجها تحديدًا: أنا، أحتاج، إلى، إنهاء، هذا، التقرير، بحلول، هذا، بعد الظهر.إن استخراج هذه الكلمات فقط من بين 50,000 كلمة مُخزّنة في الذاكرة يتطلب تركيزاً شديدًا على الأفكار التي نريد إيصالها، وفي هذه الحالة: هدف إنهاء التقرير. ونتيجةً لذلك، يُصبح من الأرجح أن نُبقي الهدف نصب أعيننا، ونتذكر أهميته، ونُواصل العمل عليه، بدلًا من أن تُشتّت انتباهنا أنشطة أخرى أقل أهمية.

استخدم الحديث لتوضيح أفكارك ومشاعرك

في هذا المثال، الذي يستند إلى التحدث مع زميل في العمل، تنبع فوائد الحديث من إيصال احتياجاتك لشخص آخر. ولكن يمكنك استخلاص الفوائد نفسها وغيرها عن قصد من خلال التحدث مع نفسك، لتوضيح لحظات الاضطراب والتوتر، ولمساعدتك على التأمل لاحقًا. سأشرح لك فيما يلي أربع طرق للقيام بذلك - أنصحك بتجربة جميعها ثم استخدام أي شكل من أشكال الحديث مع الذات تجده الأنسب لك.

تحدث مع نفسك لتوضيح أهدافك

إذا كنتَ بحاجةٍ إلى التركيز على إنجاز مهمةٍ ما، فاستخدم الحديث مع النفس كلما واجهتَ صعوبة. حدّد هدفك بصوتٍ عالٍ أو في سرّك، واشرح سبب أهميته بالنسبة لك، وسرد الخطوات اللازمة لتحقيقه. كن دقيقًا دائمًا. على سبيل المثال، إذا كنتَ تواجه صعوبةً في إنهاء ذلك التقرير، فاذكر بوضوح الأسباب الرئيسية التي تجعل إنجازه أمرًا بالغ الأهمية. بعد ذلك، حدد بصوت عالٍ، أو في سرّك، أو كتابةً، كيف ستُحرز تقدماً. من المهمّ ذكر التفاصيل.

إنّ التحدث بهذه الطريقة التفصيلية يُساعد في الكشف عن ثغرات في تفكيرك، مثل كيفية تنظيم خطواتك التالية أو حتى سبب أهمية هذا التقرير. يمكنك بعد ذلك استخدام الحديث مع نفسك للتعمق في هذه الأسئلة وتوضيح أفكارك.

حسّن مهاراتك في الحديث مع نفسك لمواجهة المواقف العصيبة

لنفترض أنك تحدثت مع نفسك، وركزت بشكل أفضل، وفهمت التقرير بوضوح، ووضعت نفسك على طريق إنجازه. هذا رائع، ولكن كيف ستبني على هذه النتيجة الإيجابية ولا تجعلها حدثًا عابرًا؟

سيختلف شكل الحديث باختلاف الأشخاص والأحداث، ولكن هناك بعض المواضيع الرئيسية التي يمكن تكييفها في العديد من المواقف المجهدة المتعلقة بالأداء: ذكّر نفسك بالتركيز على التحكم فيما تستطيع التحكم فيه، وألا تشتت انتباهك بأمور لا أمل لك في تغييرها. يتعلم الرياضيون قول عبارات مثل: "ركز على حركة قدميك، وتجاهل كلام الآخرين"، ويمكنك تكييف هذا النوع من الكلام مع وضعك الخاص - ركز على تقريرك، وبحثك عن وظيفة، وما إلى ذلك، وتجاهل المثبطين أو أي مشتتات أخرى.

حافظي على الإيجابية والدقة. في بداياتها الأدبية، كانت الكاتبة الحائزة على جوائز، أوكتافيا بتلر، تشعر بخوف مبرر من عدم قدرتها على كسب ما يكفي من المال للعيش، واضطرارها للتخلي عن حلمها بأن تصبح روائية. لجأت إلى الحديث مع نفسها، معظمه مكتوب، وتستحق دقة نهجها الاقتداء بها.

استخدم الحديث مع النفس لتهدئة مشاعرك

لا يقتصر الحديث مع الذات على إنجاز المهام وتحقيق الأهداف فحسب، بل يمتد ليشمل إدارة المشاعر أيضًا. فعندما نكون في حالة انفعالية شديدة، غالبًا ما يصعب علينا تحديد مشاعرنا بدقة. على سبيل المثال، قد نقول إننا "منزعجون"، لكن هذا المصطلح المبهم قد يحمل معانيَ عديدة، كالشعور بالخوف أو الغضب أو خيبة الأمل، وما إلى ذلك. هذه المشاعر المتضاربة قد تُصعّب علينا التفكير بوضوح، ولكن يُمكننا الجمع بين استراتيجيتين مختلفتين للحديث مع أنفسنا للمساعدة.

استخدم حديثك مع نفسك لتنأى بنفسك عن الفوضى العاطفية. تحدث إلى نفسك كما لو كنت تتحدث إلى شخص آخر: بدلاً من قول "أنا غاضب جدًا"، استخدم ضمير المخاطب "أنت" أو اسمك.

تحدث مع نفسك عن الماضي

لقد أوضحتُ لكم حتى الآن كيفية استخدام الحديث لاكتساب الوضوح في لحظات الحاجة، كإنجاز تقرير، أو التغلب على اضطراب عاطفي، أو مواجهة تحديات مماثلة. يُعدّ الحديث مفيدًا جدًا في هذه اللحظات، ولكن يمكنكم أيضًا استخدامه في أوقات الهدوء، لاكتساب فهم أعمق للأحداث الماضية والتفكير بوضوح أكبر في المستقبل. إنّ ترجمة تجاربكم إلى كلمات تُساعدكم على فهم ما حدث واستيعابه بشكل أفضل.

اكتب عن المشاكل التي تزعجك. قد يبدو من غير المنطقي الخوض في الأحداث المزعجة، لكن الدراسات تُظهر أن تدوين اليوميات حول المواقف السلبية يُعطي فهمًا أفضل لها ومنظورًا أوسع.

لكن لا تنسَ أن تكتب عن الأشياء الجميلة أيضًا. في أوقات الشدة، يسهل أن تطغى عليك السلبيات. الكتابة عما هو جميل وما تشعر بالامتنان له يساعدك على تحقيق التوازن في تفكيرك.

كما هو الحال دائمًا، كن دقيقًا. أضف تفاصيل حول ما يزعجك أو يسعدك، وتأكد من وصف ردود أفعالك العاطفية. يُعدّ تحديد المشاعر بدقة مفيدًا في كتابة اليوميات، تمامًا كما هو الحال في لحظات التوتر العاطفي. لذا، لا تكتفِ بالكتابة العشوائية: "أنا منزعج من مديري" أو "أنا ممتن لقطتي". بدلًا من ذلك، يمكنك إعداد قائمة بأكثر ثلاث عادات مزعجة لدى مديرك، وكيف يمكنك التعامل معها في المرة القادمة التي تواجهها فيها. أو صف شعورك عندما تكون قطتك ملتفة بجانبك .

قد تستدعي بعض المواضيع الكتابة عنها على مدى عدة أيام، أو العودة إليها بعد أيام أو أسابيع. ليس هناك قاعدة تلزمك بالانتهاء من موضوع ما؛ اكتب عنه بالقدر الذي تراه مناسبًا

اشترك في النشرة البريدية

ليصلك جديد وفاء مباشرة إلى بريدك الإلكتروني حسب اهتماماتك