راقب رجلاً إيطالياً في الخامسة والثمانين من عمره وهو يمضي يومه في قرية جبلية، وسترى شيئاً قد اختفى إلى حد كبير من الحياة الأمريكية، رجلاً لا يزال مندمجاً تماماً في نسيج حياته اليومية، يمشي في كل مكان، يعتني بحديقته، يجلس في الساحة مع أصدقاء عمره، يتناول الطعام مع عائلته، نشيطاً ومتفاعلاً ومتواصلاً بطرق تخلى عنها كثير من الرجال الأمريكيين منذ عقود.
التباين لافت للنظر، ولا يتعلق الأمر حقاً بالجينات الإيطالية أو شمس البحر الأبيض المتوسط، بل بمجموعة من العادات اليومية التي يحافظ عليها الأجداد الإيطاليون حتى سن متقدمة، والتي يميل الرجال الأمريكيون، لأسباب مختلفة، إلى التخلي عنها في سن الستين تقريباً، وغالباً ما يكون ذلك على حسابهم.
انطلاقًا من إسبانيا، حيث يظهر نمط الشيخوخة النشط والمتواصل نفسه لدى الأجداد الإيطاليين كما هو الحال لدى الجدات الإيطاليات، يُعدّ الاختلاف في كيفية شيخوخة الرجال في هذه الثقافات مقارنةً بأمريكا من أكثر الأمور دلالةً التي يمكن للمراقب ملاحظتها.
ليس الأمر أن الرجال الإيطاليين قد اكتشفوا سرًا ما، بل إنهم ببساطة يواصلون، حتى بعد بلوغهم الثمانين، القيام بالأمور اليومية العادية التي تُبقي الإنسان نشيطًا ومتواصلًا ومتفاعلًا، بينما يميل الرجال الأمريكيون إلى التوقف عن القيام بها، مُنكفئين على نمط حياة أكثر انطواءً وخمولًا وعزلةً في شيخوختهم.
إليكم تسع عادات يومية يُحافظ عليها الأجداد الإيطاليون ويتخلى عنها الرجال الأمريكيون في كثير من الأحيان، ولماذا تُعدّ كل واحدة منها مهمة.
العادة الأولى: المشي في كل مكان
إن العادة الأساسية، وأساس الكثير من العادات الأخرى، هي ببساطة المشي، فالجد الإيطالي كان يمشي كوسيلة أساسية لقضاء يومه حتى في سن الشيخوخة.
الجد الإيطالي يمشي باستمرار، في كل مكان، إلى السوق، إلى المقهى لتناول قهوته، إلى الساحة، لزيارة الأصدقاء، وفي أرجاء القرية، فالمشي جزء لا يتجزأ من روتينه اليومي كوسيلة طبيعية للتنقل لا كرياضة. ليس هذا نظامًا رياضيًا مُتعمّدًا، بل هو ببساطة أسلوب حياة في مكان يسهل فيه المشي، حيث تُنجز جميع المهام اليومية واللقاءات الاجتماعية سيرًا على الأقدام.
وهذا يوفر قدرًا كبيرًا من النشاط البدني اللطيف والمستمر مدى الحياة، والذي يُحافظ على حيوية الجسم ونشاطه حتى الشيخوخة. المشي هادف واجتماعي ومُتأصل في الحياة، وليس عبئًا، وهذا تحديدًا سر استمراريته، فالرجل لا يتخلى عن المشي إلى المقهى لتناول قهوته كما قد يتخلى عن اشتراكه في نادٍ رياضي.
على النقيض من ذلك، يتوقف الرجل الأمريكي في كثير من الأحيان عن المشي كأسلوب حياة، خاصة بعد التقاعد، وبالأخص في المناطق التي تعتمد على السيارات، حيث يتراجع نشاطه اليومي مع اختفاء الأسباب المنظمة للحركة واعتماده على السيارة في كل مكان.
فبينما يواصل الجد الإيطالي المشي لأن حياته مبنية عليه، قد يصبح الرجل الأمريكي، الذي تتمحور حياته حول السيارة والمنزل، خاملاً في شيخوخته بعد أن تلاشت الحركة الطبيعية من حياته.
ولعل هذا هو الفرق الأبرز، فحياة الجد الإيطالي تحفزه على المشي باستمرار، بينما حياة الرجل الأمريكي تسمح له بالتوقف. وتكون عواقب ذلك على الصحة والحيوية في الشيخوخة وخيمة، إذ تُعد الحركة اللطيفة المستمرة من أهم عوامل الحفاظ على صحة الجسم مع التقدم في السن.
العادة الثانية، رعاية الحديقة أو الأرض
أما العادة الثانية فهي الحديقة، أو "الأورتو" (orto)، وهي علاقة الجد الإيطالي الطويلة الأمد مع الأشياء النامية التي تبقيه نشيطاً وهادفاً حتى سن متقدمة.
يحرص العديد من الأجداد الإيطاليين على امتلاك حديقة أو قطعة أرض صغيرة، تُعرف باسم "الأورتو" (orto)، حيث يزرعون الخضراوات، ويعتنون بأشجار الفاكهة، وربما يزرعون بعض الكروم. وتُعدّ هذه العناية نشاطًا يوميًا يستمر حتى الشيخوخة، موفرًا للجد عملًا بدنيًا، وهدفًا، ووقتًا في الهواء الطلق، وشعورًا بالرضا من إنتاج الطعام.
فالبستنة نشاط بدني حقيقي، من انحناء وحفر وحمل ورعاية، لطيف ولكنه مستمر، يحافظ على نشاط الجسم. وهو أيضًا هادف ومُجزٍ، يمنح الرجل المسن سببًا للخروج والنشاط كل يوم، وشيئًا يعتني به ويفتخر به.
تُعتبر "الأورتو" (orto) جزءًا لا يتجزأ من حياة كبار السن في الريف الإيطالي، فالجد وحديقته ثنائي مألوف ودائم، والعناية اليومية بها خيط يمتد عبر حياة الرجل بأكملها ولا يتوقف مع تقدمه في السن.
على النقيض من ذلك، غالباً ما يفتقر الرجال الأمريكيون إلى علاقة طويلة الأمد مع النباتات، وحتى أولئك الذين مارسوا البستنة قد يتخلون عنها في سن الشيخوخة، فاقدين بذلك النشاط البدني والهدف اليومي الذي كانت توفره لهم.
فبينما يجد الجد الإيطالي في حديقته ما يحفزه ويشجعه على العمل ويمنح أيامه معنىً وهدفاً، قد لا يجد الرجل الأمريكي في سن الشيخوخة ما يُماثلها، فلا دافع يومي للنشاط البدني والتواجد في الهواء الطلق والإنتاج، وتكون الخسارة جسدية ونفسية على حد سواء.
فالبستنة عادة يتجاهلها الأمريكيون أو يتخلون عنها في الغالب، بينما يُعدّ اعتناء الجد الإيطالي بأرضه طوال حياته أحد الأمور التي تُبقيه نشيطاً وهادفاً ومتفاعلاً مع العالم المادي حتى بعد بلوغه الثمانين.
العادة الثالثة، الطقوس الاجتماعية اليومية
أما العادة الثالثة فهي الطقوس الاجتماعية اليومية، وهي عادة الجد الإيطالي المتمثلة في التواصل الاجتماعي اليومي المنتظم والمنظم مع أصدقاء عمره، والذي يحافظ عليه حتى سن متقدمة.
للجد الإيطالي طقوسه الاجتماعية اليومية، من احتساء القهوة (caffè) في المقهى (bar) مع الرجال أنفسهم الذين يعرفهم منذ عقود، إلى التجمع في الساحة (piazza) مساءً، ولعب الورق، والتواصل المنتظم مع أصدقائه القدامى. وتستمر هذه العادات يوميًا حتى الشيخوخة كجزء لا يتجزأ من حياته.
ليس هذا مجرد تواصل اجتماعي عابر، بل هو تقليد يومي، حيث يجتمع كبار السن في نفس الأوقات والأماكن، محافظين على شبكة متينة من الصداقة والتواصل الاجتماعي الذي يدوم مدى الحياة، والذي يُبقي الإنسان متصلًا ومتفاعلًا، ويُخفف من وطأة الوحدة في الشيخوخة بمجرد رؤية الأصدقاء كل يوم. هذا التواصل الاجتماعي متأصل في بنية الحياة اليومية وجغرافية القرية، لذا فهو باقٍ لا يندثر.
على النقيض من ذلك، يُعرف عن الرجال الأمريكيين ميلهم الشديد للعزلة الاجتماعية في الشيخوخة، إذ غالبًا ما تتلاشى صداقاتهم بعد انتهاء العمل الذي كان يُعيلهم، ويقلّ تواصلهم الاجتماعي مع تقدمهم في السن، لينتهي المطاف بالعديد من كبار السن الأمريكيين معزولين تمامًا، مع قلة الأصدقاء المقربين وقلة التواصل الاجتماعي اليومي.
فبينما يجد الجد الإيطالي في لقاءاته اليومية مع أصدقاء عمره جزءًا لا يتجزأ من حياته، قد يكون الرجل الأمريكي قد فقد هذه الشبكة الاجتماعية أو لم يحافظ عليها أبدًا، والعزلة الناتجة عن ذلك تُعدّ من أكثر الأمور ضررًا في شيخوخة الرجل الأمريكي، لأن التواصل الاجتماعي من أقوى مؤشرات الصحة وطول العمر.
هذه عادة يتجاهلها الأمريكيون للأسف، وهي الطقوس الاجتماعية اليومية المنظمة، في حين أن فنجان القهوة اليومي الذي يتناوله الجد الإيطالي مع أصدقائه هو أحد أهم الأشياء التي تُبقيه على قيد الحياة وبصحة جيدة.
العادة الرابعة، تناول الطعام مع الآخرين
أما العادة الرابعة فهي تناول الطعام بشكل جماعي، حيث يواصل الجد الإيطالي المشاركة في وجبات الطعام العائلية والاجتماعية المشتركة حتى سن الشيخوخة، بدلاً من تناول الطعام بمفرده.
يتناول الجد الإيطالي الطعام مع الآخرين، في وجبات العائلة، وغداء الأحد الطويل (pranzo della domenica) مع جميع أفراد الأسرة الممتدة، فالمشاركة في تناول الطعام تُعدّ جوهر الحياة الإيطالية، وتستمر في إشراكه بشكل كامل حتى في شيخوخته، فيأكل بصحبة العائلة، مندمجًا فيها، بدلًا من أن يأكل وحيدًا.
فالوجبة الجماعية غذاء وتواصل في آنٍ واحد، إذ يتغذى الرجل المسن ماديًا واجتماعيًا من خلال المائدة المشتركة، ويُدمج في حياة العائلة وإيقاعات تجمعاتها، فيصبح تناول الطعام مناسبةً للانتماء لا مجرد وجبة فردية. ويستمر هذا النمط من تناول الطعام الجماعي طوال العمر، فيبقى الجد حاضرًا ومُقدّرًا على مائدة العائلة، لا مُهمّشًا، وهو ما يُوفّر له تغذيةً أفضل، لأن الوجبات المشتركة غالبًا ما تكون طعامًا مطبوخًا، فضلًا عن الفائدة العميقة للتواصل المنتظم.
على النقيض من ذلك، غالباً ما ينتهي المطاف بالرجال الأمريكيين في سن الشيخوخة بتناول الطعام بمفردهم، خاصةً إذا كانوا أرامل أو معزولين، إذ تُعدّ الوجبة المنفردة سمة شائعة للشيخوخة في أمريكا، وما يصاحبها من سوء التغذية والشعور بالوحدة.
فبينما يتناول الجد الإيطالي طعامه على مائدة العائلة، مستمتعاً بالتغذية والتواصل، قد يتناول الرجل الأمريكي المعزول طعامه بمفرده وبشكل غير صحي، فاقداً بذلك التغذية والتواصل الذي توفره الوجبة المشتركة.
هذه عادة غالباً ما يفقدها الأمريكيون، وهي عادة تناول الطعام الجماعي، ويعود ذلك جزئياً إلى انهيار الروابط الأسرية الممتدة التي تدعمها. ويُعدّ وجود الجد الإيطالي على مائدة العائلة أحد الأمور التي تُبقيه متمتعاً بالتغذية الجيدة والتواصل، مُغذّى بكل معنى الكلمة حتى في مراحل متقدمة من العمر.
العادة الخامسة: كأس النبيذ اليومي مع الآخرين
العادة الخامسة هي تناول النبيذ باعتدال يومياً، كأس النبيذ الذي كان يتناوله الجد الإيطالي مع الطعام والرفقة، وهو أمر اجتماعي بقدر ما هو متعلق بالنبيذ.
عادةً ما يتناول الجد الإيطالي كأسًا معتدلًا من النبيذ يوميًا، مع وجباته وفي صحبة الآخرين، في متعة صغيرة وثابتة منسجمة مع طقوس حياته الاجتماعية وتناول الطعام، وليست عادة فردية أو مفرطة. وتتمثل السمات الرئيسية في الاعتدال، بكأس أو كأسين مع الطعام بدلًا من الإفراط في الشرب، وفي السياق الاجتماعي، بتناول النبيذ مع الوجبة وفي صحبة الآخرين بدلًا من تناوله منفردًا، ليصبح جزءًا من طقوس تناول الطعام والتجمعات الاجتماعية، لا مجرد استهلاك فردي.
وتُعد هذه العلاقة المعتدلة والاجتماعية مع النبيذ، المصحوبة بالطعام، جزءًا من نمط البحر الأبيض المتوسط (Mediterranean lifestyle)، وتستمر حتى الشيخوخة كمتعة يومية صغيرة متأصلة في طقوس التواصل وتناول الطعام الأوسع، مما يُسهم في جو من الألفة والمرح على مائدة الطعام المشتركة.
يُعدّ التباين مع الأنماط الأمريكية مُفيدًا، إذ إنّ شرب الأمريكيين للنبيذ، حيثما وُجد، غالبًا ما يتبع نمطًا مختلفًا، إما الامتناع التام أو الإفراط في الشرب أو الشرب الفردي، وهو أقل اندماجًا في الوجبات اليومية والطقوس الاجتماعية على الطريقة المتوسطية المعتدلة.
لا يكمن المغزى في أن النبيذ بحد ذاته سرٌّ صحي، وهو ادعاء يجب التعامل معه بحذر، بل في أن علاقة الجد الإيطالي به، المعتدلة والاجتماعية والمصحوبة بالطعام، والمنسجمة مع طقوس حياته الاجتماعية، تعكس وتدعم أسلوب الحياة المترابط والمنضبط والهادئ الذي يُمثّل الفائدة الحقيقية.
هذه ليست عادة يتجاهلها الأمريكيون ببساطة، بل عادة يمارسونها بشكل مختلف، فالكأس المعتدل مع الطعام والأصدقاء جزء من النمط الإيطالي الأوسع للحياة اليومية المترابطة والمنضبطة، وليس أمرًا قائمًا بذاته.
العادة السادسة: البقاء مفيدًا ومطلوبًا
العادة السادسة هي البقاء مطلوباً والمساهمة
عادةً ما يحتفظ الجد الإيطالي بدورٍ فعّالٍ ومفيدٍ حتى في شيخوخته، فيساعد في رعاية أحفاده، ويساهم بمحاصيل حديقته، ويُقدّم خبرته وحضوره، ويبقى عضوًا ذا قيمة وحاجة في العائلة والمجتمع، بدلًا من أن يُهمّش ويُعتبر عديم الفائدة.
هذه الفائدة المستمرة بالغة الأهمية، إذ يُعدّ الشعور بالحاجة إليه، وأداء دور فيه، والمساهمة في حياة الآخرين، من أهم ركائز الرفاهية والشعور بالهدف في الشيخوخة. والجد الإيطالي، المندمج في عائلة ممتدة لا تزال تعتمد عليه وتُقدّره، يُحافظ على هذا الشعور بأهميته. فهو لا يُهمَل، بل يبقى جزءًا لا يتجزأ من حياة العائلة العملية، ومساهماته حقيقية وقيّمة، مما يُبقيه منخرطًا وذا هدف ونشيطًا نفسيًا.
على النقيض من ذلك، غالبًا ما يفقد الرجال الأمريكيون في سن الشيخوخة إحساسهم بالفائدة والدور، خاصةً بعد التقاعد الذي يُفقدهم هويتهم المهنية. وفي مجتمع قد يُهمّش كبار السن، حيث تكون الأسرة الممتدة أكثر تشتتًا، قد يشعر الرجل المسن بأنه عديم الفائدة، وغير مرغوب فيه، وأن دوره قد انتهى.
فبينما يبقى الجد الإيطالي مطلوبًا ومساهمًا، قد يفقد الرجل الأمريكي ذلك، ويُعدّ فقدان الهدف والشعور بعدم الحاجة إليه أمرًا مُضرًا بالصحة والروح في الشيخوخة.
هذه عادة، أو بالأحرى حالة، يفقدها الأمريكيون غالبًا، ألا وهي الشعور بأنهم مفيدون ومرغوب فيهم، ودور الجد الإيطالي المُحتفظ به في أسرته ومجتمعه هو أحد أهم العوامل التي تُحافظ على حيويته وإرادته في الاستمرار.
العادة السابعة: الحفاظ على روتين يومي
العادة السابعة هي الروتين اليومي المستمر، وحرص الجد الإيطالي على الحفاظ على إيقاع منتظم ومنظم لأيامه بدلاً من تركها تتلاشى في حالة من الفوضى.
يحرص الجد الإيطالي على اتباع روتين يومي منتظم، بدءًا من الاستيقاظ، مرورًا بفنجان قهوة الصباح في المقهى، ثم العناية بالحديقة، وتناول وجبة الغداء، وراحة ما بعد الظهر، وانتهاءً بلقاءات المساء. يُضفي هذا الروتين هيكلًا منظمًا ومتوقعًا على أيامه، مما يمنحها نظامًا وهدفًا، ويُبقيه نشيطًا ومتفاعلًا طوال الوقت.
هذا الروتين ذو طابع ثقافي جزئيًا، فهو نتاج إيقاعات الحياة القروية المشتركة، وجزء منه شخصي، فهو يعكس عادات الرجل الراسخة. يضمن هذان العنصران معًا أن تكون لأيامه شكل ونشاط، بدلًا من أن تتلاشى في رتابة وخمول وضياع قد يُصيب كبار السن. يدفعه هذا الروتين إلى النهوض والخروج والقيام بأشياء، ويُشكل هيكله نفسه دعامة تُحافظ على حياته النشطة والمتفاعلة.
على النقيض من ذلك، يفقد الرجال الأمريكيون في سن التقاعد والشيخوخة هذا النظام تمامًا في بعض الأحيان، إذ يُزيل انتهاء العمل الإطار الذي كان يُنظم أيامهم، ولا شيء يُعوضه، فتصبح الأيام بلا شكل، وخالية من الحركة، وبلا هدف، ويتخبط الرجل بلا روتين كان يُنظم حياته.
فبينما يحافظ الجد الإيطالي على نظام أيامه من خلال الإيقاعات الثقافية والشخصية التي يُحافظ عليها، قد يجد الرجل الأمريكي أيامه تنهار إلى فوضى عارمة بعد انتهاء العمل، وقد يُسرّع فقدان النظام من تدهور حالته.
هذه عادة يفقدها الأمريكيون غالبًا، ألا وهي الروتين اليومي المُنتظم، ويُعدّ إيقاع الجد الإيطالي اليومي الثابت أحد الأمور التي تُبقيه نشيطًا ومُشاركًا في شيخوخته بدلًا من أن يكون تائهًا.
العادة الثامنة: البقاء في الهواء الطلق وفي العالم
أما العادة الثامنة فهي البقاء في العالم الخارجي، أي استمرار وجود الجد الإيطالي يومياً في الهواء الطلق وفي الحياة العامة لمجتمعه بدلاً من الانزواء في الداخل.
الجد الإيطالي يخرج إلى العالم يوميًا، في الساحة (piazza)، في الشوارع، في المقهى (bar)، وفي حديقته، حاضرًا في الحياة العامة والتفاعلية لمجتمعه بدلًا من الانعزال في المنزل. يعيش حياته وسط الآخرين، منسجمًا مع الإيقاع اليومي للقرية.
هذا الحضور المستمر في العالم الخارجي يعني استنشاق الهواء النقي والتعرض لأشعة الشمس يوميًا، والتواصل مع المجتمع الأوسع خارج نطاق الأصدقاء المقربين والعائلة، إلى جانب التحفيز والتفاعل المستمر مع الحياة من حوله. كل ذلك يبقيه متصلًا بالعالم ومندمجًا في إيقاعاته بدلًا من الانعزال عنها.
كبار السن في القرية الإيطالية حضور بارز في الحياة العامة، فهم بين الجميع وجزء من المشهد بدلًا من الانعزال عنه، وهذا الوجود المستمر في الأماكن العامة والهواء الطلق يشكل جزءًا مهمًا من حياتهم اليومية.
على النقيض من ذلك، يميل الرجال الأمريكيون في سن الشيخوخة إلى الانعزال داخل منازلهم، أمام التلفاز وفي عالمهم الخاص الضيق، ويتضاءل حضورهم اليومي في الحياة العامة والخارجية لمجتمعهم مع تقدمهم في السن، لا سيما في الأماكن التي تفتقر إلى المساحات العامة التي تجذب الناس للتنزه والتجمع.
فبينما يظل الجد الإيطالي جزءًا بارزًا من الحياة العامة الخارجية لقريته، قد ينسحب الرجل الأمريكي إلى حياة داخلية خاصة، فاقدًا الهواء النقي وأشعة الشمس والتواصل الاجتماعي والتفاعل مع العالم الذي توفره الحياة العامة الخارجية.
هذه عادة يفقدها الأمريكيون غالبًا، ألا وهي التواجد اليومي في العالم الخارجي، ويُعد استمرار الجد الإيطالي في التواجد في الأماكن العامة الخارجية أحد الأمور التي تُبقيه نشيطًا ومتصلًا بالحياة ومتفاعلًا معها.
العادة التاسعة: الاستمرار كالمعتاد
أما العادة التاسعة فهي الأعمق، وهي الموقف الأساسي للجد الإيطالي المتمثل في الاستمرار ببساطة في حياته النشطة الطبيعية بدلاً من التقاعد إلى دور الرجل العجوز.
إن أعمق عادة، والتي تكمن وراء جميع العادات الأخرى، هي أن الجد الإيطالي يستمر في عيش حياته الطبيعية إلى حد كبير، مواصلاً المشي، والبستنة، والتواصل الاجتماعي، والعمل، والالتزام بالروتين اليومي، حتى في سن الشيخوخة، دون أن يتحول بشكل جذري إلى نمط حياة مختلف أو منعزل، رافضاً في الواقع أن يصبح مجرد رجل عجوز.
فهو لا يقرر، في الستين أو السبعين من عمره، أنه أصبح رجلاً مسناً يجب أن يبطئ من وتيرته وينعزل ويتوقف عن فعل الأشياء التي اعتاد عليها، بل يواصل حياته بنشاط وانخراط ما استطاع، معتبراً الشيخوخة استمراراً للحياة لا انسحاباً منها. هذا الاستمرار، وهذا الرفض للاستسلام المبكر لدور الشيخوخة المتضائل، هو الموقف الكامن وراء جميع العادات المحددة، والميل إلى الاستمرار في عيش الحياة على أكمل وجه بدلاً من التقاعد إلى الشيخوخة.
على النقيض من ذلك، يتقبّل الرجال الأمريكيون أحيانًا هذا الدور المحدود، معتبرين مرحلةً فارقةً كالتقاعد فرصةً للتغيير الجذري، للتباطؤ والانعزال والتوقف عن ممارسة الأنشطة الاجتماعية والاكتفاء بشيخوخة محدودة، وكأنهم يختارون الشيخوخة بطريقة لا يفعلها الجد الإيطالي.
فبينما يواصل الجد الإيطالي عيش حياته على أكمل وجه، قد يتقاعد الرجل الأمريكي مبكرًا من حياة نشطة وفاعلة، والفرق في النتائج جوهري، إذ إن الاستمرار في عيش الحياة على أكمل وجه هو بحد ذاته أحد أهم عوامل الحفاظ على القدرة على ذلك.
هذه هي العادة الأعمق التي يميل الأمريكيون إلى فقدانها، وهي الاستمرار البسيط في الحياة، ولعلّ رفض الجد الإيطالي التقاعد من الحياة هو أهم ما يبقيه نشيطًا ومتفاعلًا حتى الثمانينيات وما بعدها.
ما الذي تمثله العادات التسع؟
بالنظر إلى العادات التسع من منظور أوسع، فإن اللافت للنظر هو كيف تشكل وحدة متكاملة، وطريقة للشيخوخة تحافظ على نشاط الرجل وتواصله وهدفه وانخراطه، بدلاً من أن يكون خاملاً ومنعزلاً وبلا هدف ومنطوياً.
ليست العادات التسع مجرد حيل منفصلة، بل هي جوانب من نمط واحد للشيخوخة، حيث يستمر الإنسان في الحركة والتواصل والعطاء، ويحافظ على إيقاعه، وينخرط في العالم، ويعيش حياته ببساطة.
فالمشي والحديقة والأصدقاء ومائدة العائلة والروتين والحضور الاجتماعي والنشاط، كلها عناصر تعزز بعضها بعضًا لتشكل وحدة متكاملة تدعم شيخوخة نشطة وفاعلة.
وبالمثل، فإن الخسائر التي يعاني منها الأمريكيون مترابطة، فالتوقف عن المشي والبستنة والتواصل الاجتماعي والروتين والحضور الاجتماعي غالبًا ما تنبع جميعها من الانزواء نفسه نحو شيخوخة خاملة ومنعزلة وغير منظمة، يسهل الوقوع فيها في ظل ثقافة تعتمد على السيارات والعمل وتشتت الأسرة. إن التباين يكمن بين نمطين كاملين للشيخوخة، وليس بين تسع عادات منفصلة.
الحقيقة المُشجعة هي أن النمط الإيطالي متاحٌ إلى حد كبير لأي شخص يرغب في تبني عاداته، إذ لا يشترط أن يكون المرء إيطاليًا، بل يكفي اختيار الاستمرار في المشي، والاعتناء بحديقة أو القيام بنشاط هادف مماثل، والحفاظ على الصداقات اليومية والطقوس الاجتماعية، وتناول الطعام مع الآخرين، والبقاء منتجًا، والالتزام بروتين يومي، والانخراط في العالم، ورفض التقاعد المبكر عن الحياة النشطة.
يمكن لأي رجل أمريكي، أو أي شخص، أن يختار أن يشيخ على غرار الجد الإيطالي. وهذه العادات، وإن كانت أسهل في ثقافة بُنيت حولها، يُمكن تنميتها في أي مكان من قِبل شخص يُدرك قيمتها ويُقرر الحفاظ عليها.
لا يُعتبر الأجداد الإيطاليون محظوظين بقدر ما هم مُتأصلون في أسلوب شيخوخة ناجح ومُخلصون له، والعادات التسع هي بمثابة خريطة يُمكن لأي شخص اتباعها نحو شيخوخة أكثر حيوية وتواصلًا وانخراطًا، أينما كان يعيش.

.webp)






