إذا كنت تضيع مفاتيحك باستمرار، فأنت لست وحدك. ازدياد النسيان جزء شائع من الشيخوخة، وهناك اعتقاد واسع النطاق بأن قدراتنا الإدراكية ستتراجع مع تقدمنا في العمر.
لكنّ ضعف الإدراك ليس جزءاً حتمياً من الشيخوخة. هناك خطوات يمكننا جميعاً اتخاذها لنعيش حياة صحية أطول، ونحمي أدمغتنا في الوقت نفسه.
في مرحلة الطفلة المبكرة، يبني دماغنا باستمرار روابط جديدة بين الخلايا العصبية أو يعزز الروابط الموجودة. ففي السنوات الأولى من عمرنا، يتشكل أكثر من مليون رابط عصبي جديد كل ثانية.
ولكن مع تقدمنا في العمر، يبدأ هذا التسارع بالتباطؤ، خاصةً عندما تصبح بعض هذه الروابط غير ضرورية.
وقد أظهرت دراسة حديثة أن أدمغتنا تمر بخمس مراحل رئيسية خلال حياتنا، مع نقاط تحول حاسمة تحدث في المتوسط عند أعمار 9 و32 و66 و83 عامًا.
ووجدت الدراسة أن أدمغتنا لا تصل إلى مرحلة النضج الكامل إلا في الثلاثينيات من العمر، حيث تصبح مناطق الدماغ تخصصاً، بينما تبدأ بنية الدماغ في إظهار علامات الشيخوخة في منتصف الستينيات.
لكن هذه التحولات في طريقة عمل أدمغتنا ليست متماثلة لدى الجميع، وليست ثابتة.
فكما نُمرّن عضلاتنا لنحافظ على قوتها، يتطلب الحفاظ على روابط الدماغ أن نبقي عقولنا نشطة.
وقد وجدت دراسة واسعة النطاق أن نمط الحياة النشط يُمكن أن يُؤخر بشكل كبير الإصابة بالخرف أو حتى يُساعد على تجنبه.
وأظهر الفريق البحثي أن التعليم والتواصل الاجتماعي والعمل والأنشطة الترفيهية تُساعد على بناء ما يُعرف بـ " الاحتياطي المعرفي"، والذي يُشير إلى قدرة الدماغ على تحمل أي ضرر ناتج عن الشيخوخة، حيث يستطيع الدماغ إيجاد مسارات جديدة للتعويض، مما يجعله أكثر مرونة في مواجهة أي تدهور مرتبط بالعمر.
لقد أمضيت الأشهر القليلة الماضية في التعمق في علم كيفية التقدم في السن بشكل أفضل والتحدث إلى الخبراء من أجل دورة النشرة الإخبارية الجديدة الخاصة بنا، " عيش حياة صحية لفترة أطول"، والتي ستنطلق في 17 يناير 2026.
لقد قمنا بتعبئتها بتمارين بسيطة ولكنها قابلة للتنفيذ ومدعومة علميًا مصممة لمنحك دفعة صحية تدوم.
أبرز ما لفت انتباهي هو أن الأبحاث تُظهر كيف يُمكننا التأثير على طول أعمارنا من خلال إجراء تغييرات صغيرة ومستمرة.
على سبيل المثال، من الواضح أن النشاط البدني يُفيد صحة الدماغ وسلامته.
بناءً على ذلك، إليكم خمس طرق لتعزيز صحتكم والحفاظ على شباب أدمغتكم.
لم يفت الأوان أبداً لتعلم شيء جديد
أولاً، من المهم أن ننظر إلى صحتنا الإدراكية على أنها مجموعة واسعة من المهارات التي نستخدمها يومياً.
وهذا يشمل القدرة على التفكير المنطقي، وحل المشكلات، والتركيز، بالإضافة إلى سرعة معالجة المعلومات.
تتنوع هذه المهارات وتتطور وتتغير تبعًا لنمط حياتنا. والأهم من ذلك، أنه يمكن حمايتها وتعزيزها في أي عمر.
وكما أخبرني عالم النفس آلان غاو من جامعة هيريوت وات في إدنبرة، اسكتلندا، فإنه على الرغم من تباطؤ بعض هذه العمليات، فإن التدهور المعرفي الكبير ليس نتيجة حتمية للشيخوخة. ويقول: "لدينا فرص لحماية صحة دماغنا وتعزيزها في كل عمر ومرحلة من مراحل الحياة".
في الواقع، بإمكاننا تعزيز قدراتنا الإدراكية بما يضمن سلامة تفكيرنا في المستقبل. ورغم أن بعض القدرات الإدراكية عرضة للتغيرات المرتبطة بالتقدم في السن، مثل سرعة معالجة المعلومات، إلا أن غاو يؤكد أن هذا لا يُعد بالضرورة مشكلة، وأن التراجع قد يبدأ في أوج سنوات العمل. ومن الرسائل المهمة التي تروج لها حملة توعية لأبحاث الزهايمر، أنه "ليس من المبكر أبداً، وليس من المتأخر أبداً"اتخاذ أي إجراء.
إحدى الطرق البسيطة لتحسين قدراتنا الإدراكية وتقليل خطر الإصابة بالخرف هي تجربة شيء جديد.
أنت بحاجة إلى الوقود المناسب لعقلك
أكدت عقود من الأبحاث حاجتنا إلى نظام غذائي متوازن وصحي، وهذا أمرٌ بديهي، لكن كثرة الخيارات تجعل من الصعب تحديد ما يجب التركيز عليه. إحدى الإرشادات البسيطة هي إضافة أكبر قدر ممكن من الفواكه والخضراوات الملونة إلى نظامنا الغذائي.
بذلك، نحصل على الفيتامينات والمعادن والألياف التي نحتاجها، مما يُفيد صحة الدماغ.
لأظهرت الدراسات أن تناول حصة إضافية من الفاكهة والخضراوات يوميًا يُحسّن الصحة العامة.
وكما ذكرنا سابقاً، تُعدّ فوائد النظام الغذائي بالفاكهة والخضراوات على صحة الدماغ والقلب من أكثر النتائج ثباتًا في علم التغذية.
وتؤكد كارين سكوت، أستاذة بيولوجيا الأمعاء في جامعة أبردين بالمملكة المتحدة، أن زيادة تناول الألياف الغذائية من أهم التغييرات الغذائية المؤثرة على الصحة الإدراكية .
ينبغي علينا تناول أنواع الدهون الصحية، مثل الدهون المتعددة غير المشبعة الموجودة في الأسماك الدهنية كالسلمون والتراوت، والجوز.
فهي معروفة بفوائدها الوقائية ضد الخرف. في الوقت نفسه، يُعدّ تقليل استهلاك الدهون المشبعة، الشائعة في اللحوم المصنعة، مفيدًا أيضًا. إذ قد تُحفّز هذه الدهون الكبد على إنتاج مركبات ضارة تُسمى السيراميدات، والتي رُبطت بأمراض القلب والأوعية الدموية وزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر.
ينبغي علينا أيضاً التأكد من حصولنا على كمية كافية من الكولين في نظامنا الغذائي. يوجد الكولين بكثرة في البيض، بالإضافة إلى العديد من الأطعمة الحيوانية الأخرى، وهو مرتبط بتحسين الذاكرة، بينما سرتبط نقصه بمرض باركنسون وألزهايمر.
كما يرتبط ارتفاع معدل تناوله بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب.
تساعدنا التمارين الرياضية على الشعور بالنشاط والصحة النفسية.
عندما يتعلق الأمر بالحركة الكافية، ورغم نوايانا الحسنة، قد يصعب علينا الوصول إلى الكمية الأسبوعية الموصي بها من التمارين. لذا، من المهم أن ندرك أنه ليس من الضروري ممارسة تمارين مكثفة لتحقيق الفوائد، فحتى المشي المنتظم مفيد. بل إن سرعة مشيك، سواءً كان ذلك إلى المتاجر أو الحديقة، قد تعطينا فكرة عن صحتك العامة وعمر دماغك.
أو إذا كان مكتبك مزودًا بسلالم متحركة، فجرب استخدام الدرج، فحتى صعود بضع درجات يوميًا قد يُحسّن صحتك وعقلك.
والأفضل من ذلك كله، أن التمارين الرياضية تًحسّن المزاج وتُخفف الاكتئاب. تقول ميلاني بيرك، أستاذة الشيخوخة الإدراكية والتصوير العصبي في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة، إن الرسالة المهمة والإيجابية حول الشيخوخة الصحية لا تتعلق بالعوامل الخارجية للشيخوخة، بل إن "العوامل الداخلية أكثر أهمية بكثير، لأنه إذا كنت تشعر بصحة جيدة، فستبدو بصحة جيدة". وتضيف أن الشعور بالصحة الجيدة أمر بالغ الأهمية للحفاظ على النشاط والتمتع بجودة حياة أفضل.
أعطِ الأولوية لأصدقائك لكي تعيش لفترة أطول
أكثر ما وجدته شخصياً مقنعاً أثناء بحثي عن دورة "عيش حياة صحية لفترة أطول"، وهو أمر يمكنني الاستفادة منه على الفور، هو مدى أهمية عالمنا الاجتماعي لرفاهيتنا، ليس فقط الآن، ولكن أيضاً مع تقدمنا في العمر.
أحيانًا أفضل قضاء أمسية في المنزل على الخروج إلى حانة صاخبة ومزدحمة، لكنني أشعر دائمًا بتحسن كبير بعد رؤية أصدقائي. لقد تعلمت أن إعطاء الأولوية للقاءات منتظمة مع الأصدقاء، ربما أثناء الجري أو احتساء قهوة سريعة، يُحسّن مزاجي بشكل ملحوظ، ومع ذلك ألاحظ أن الكثيرين يتوقفون ببساطة عن بذل الجهد للقاء الآخرين.
تُحسّن التفاعلات الاجتماعية مع الآخرين من متوسط أعمارنا، ويميل الأشخاص الاجتماعيون إلى التمتع بصحة أفضل من أولئك الأكثر عزلة. وكما ذكر زميلي ديفيد روبسون، فإن صداقاتنا "تؤثر على كل شيء بدءًا من قوة جهاز المناعة لدينا وصولًا إلى احتمالية وفاتنا بأمراض القلب". كما أنها تُساعدنا على عيش حياة أطول.
إحدى النصائح البسيطة لزيادة التواصل الاجتماعي هي التعرف على الآخرين من خلال اهتمامات مشتركة، ربما تجربة هواية جديدة، أو دورة لغة، أو الانضمام إلى مجموعة للجري قد تفيد.
قد يكون من الصعب معرفة كيفية بناء علاقات أعمق مع الغرباء أو المعارف، ولكن كما استكشفنا في وقت سابق من هذا العام، هناك طريقة مختصرة لتحقيق ذلك.
تغيير في طريقة التفكير
بينما نسعى جاهدين لعيش حياة صحية، قد نظن أننا بحاجة إلى إجراء تغييرات جذرية.
ولكن كما أشرتُ سابقًا، تُظهر الأبحاث أن التغييرات الصغيرة والمستمرة هي مفتاح تحسين الصحة البدنية والنفسية، بدلًا من إجراء تغييرات جذرية في حياتنا.
الخطوة الأولى هي إدراك أننا قادرون على إحداث تغييرات ذات مغزى بأنفسنا، ويمكننا القيام بذلك فورًا.
كما أخبرني غاو: "إذا لم يؤمن الناس بإمكانية التغيير، فمن غير المرجح أن يكونوا منفتحين على أي تدخل.
إن زيادة معرفتنا بما يمكننا فعله لحماية صحة الدماغ وتعزيزها، بغض النظر عن أعمارنا، أمر أساسي".
على سبيل المثال، يمكن أن تكون الإجراءات البسيطة تجربة تمرين جديد، أو اكتشاف هواية جديدة، أو الانضمام إلى نادٍ لقراءة الكتب.
وبالنسبة لأي شخص مستعد لاتخاذ هذه الخطوات، فقد ثبت أن الجمع بين التغييرات في النظام الغذائي والتمارين الرياضية والتدريب المعرفي وصحة القلب والأوعية الدموية له تأثير إيجابي كبير على صحة الدماغ لدى كبار السن المعرضين لخطر الإصابة بالخرف.
ومجموعة الضبط، التي تلقت ببساطة نصائح صحية منتظمة.
ووجدت الدراسة أنه بالمقارنة مع مجموعة الضبط، أظهر المشاركون في مجموعة التدخل تحسنًا أكبر بنسبة تصل إلى 25% في الوظائف الإدراكية العامة، بالإضافة إلى تحسن في الذاكرة وحل المشكلات.
وأخيرًا، عندما سألتُ غاو عن اقتراحه بشأن كيفية التفكير في إحداث تغييرات في نمط الحياة، قال إن الأمر يتعلق بإجراء "" تغييرات طفيفة اليوم"، وأنه لا يوجد حل سحري.
من الواضح إذن أن التحسينات في مختلف جوانب حياتنا تتراكم وتمنحنا فوائد دائمة، الآن وفي المستقبل.










