يُعد النشاط البدني أحد أقوى الأدوات الصحية التي يمتلكها الناس لتحسين المزاج والطاقة والنوم، حتى بعد بضع جلسات فقط.
لكن القوة الحقيقية لنمط الحياة النشط تكمن في تأثيره الإيجابي على الصحة وجودة الحياة على المدى الطويل.
فقد أثبتت الأدلة العلمية مرارًا وتكرارًا أن النشاط البدني يقلل من خطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب والسكري وحتى بعض أنواع السرطان.
ومع ذلك، لا يحصل معظم الأمريكيين على القدر الكافي من النشاط البدني في حياتهم اليومية.
فلماذا يمارس عدد قليل جداً من الناس النشاط البدني رغم أن فوائده معروفة على نطاق واسع؟
بصفتي أخصائية علاج طبيعي وباحثة في مجال إعادة التأهيل، أدرس كيفية تعزيز الحركة للأشخاص الذين يعانون من حالات مزمنة وإعاقات جسدية، فإنني أقضي الكثير من الوقت في التفكير في هذا السؤال.
باختصار، إن فهم أهمية الرياضة لا يعني بالضرورة ممارستها. إن جعلها جزءًا من نمط حياتك يتطلب الإيمان بقدرتك على ممارستها والتأكد من قدرتك على ذلك.
تُعدّ ممارسة الرياضة خيارًا نمطيًا يُساعد على تقليل احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة. لكن الخبر السار هو أنه إذا كنتَ واحدًا من بين 194 مليون أمريكي يعانون بالفعل من مرض مزمن واحد أ اكثر، فإنّ البدء بممارسة الرياضة بانتظام او المواظبة عليها يُمكن أن يُبطئ من تفاقم المرض، ويُخفف من الأعراض، ويُحسّن من الحالة الصحية.
مجموعة من الفوائد الصحية
قائمة فوائد الحركة طويلة. إليك بعض الأمثلة:
النشاط البدني يحسن كفاءة القلب في نقل الدم إلى الرئتين وتوزيعه في جميع أنحاء الجسم.
ممارسة النشاط البدني تحمي من التدهور المعرفي بمرور الوقت.
تساهم زيادة النشاط البدني في تحسين مقاومة النسولين، مما يحمي من خطر الإصابة بمرض السكري ويساعد في إدارة أعراض مرض السكري.
يمكن لنمط الحياة النشط أن يقلل من خطر الإصابة بالسرطان ويحسن نتائج أنواع مختلفة من السرطان، بما في ذلك سرطان الثدي وسرطان القولون والمستقيم وسرطان البروستاتا.
إرشادات لبدء النشاط البدني والحفاظ عليه
على الرغم من أن بعض الحركة أفضل من لا شيء، إلا أن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تقدم إرشادات قائمة على الأبحاث حول نوع وعدد مرات ممارسة الأنشطة أسبوعياً لتحقيق فوائد صحية طويلة المدى.
تشجع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها جميع البالغين، بمن فيهم المصابون بأمراض مزمنة أو ذوو الإعاقة، على ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من التمارين الهوائية متوسطة الشدة، مثل المشي أو الركض أو السباحة. كما ينبغي على البالغين ممارسة تمارين تقوية العضلات يومين أو أكثر في الأسبوع، والتي قد تشمل رفع الأثقال وتمارين وزن الجسم.
ينبغي على كبار السن إضافة أنشطة التوازن، مثل التاي تشي أو اليوغا، للمساعدة في منع السقوط من خلال تحدي أنظمة التوازن في الجسم.
إذا لم تكن تحقق هذه الإرشادات الأسبوعية الموصى بها للنشاط البدني، فأنت لست وحدك. نصف الأمريكيين فقط يحققون الهدف المطلوب من التمارين الهوائية، وواحد فقط من كل أربعة يلتزم بإرشادات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالكامل.
تمثل هذه الفجوة أزمة صحية، وإذا ما تم تداركها، فمن الممكن إنقاذ الأرواح. وقد أظهرت مراجعة واسعة النطاق أجريت عام 2024 أن الأشخاص الذين يمارسون نشاطًا بدنيًا منتظمًا في مرحلة البلوغ قد يقللون من خطر الوفاة المبكرة بنسبة تتراوح بين 30% و40% من جميع الأسباب، وخاصة من أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان.
كما أظهرت الدراسة أن بدء ممارسة الرياضة في أي وقت خلال مرحلة البلوغ يمكن أن يحسن من فرص البقاء على قيد الحياة.

الفرق بين المعرفة والفعل
يتم باستمرار إقناع الناس بفوائد النشاط البدني، سواء كان ذلك من منظمات الرعاية الصحية الوطنية أو فرقها الطبية أو المؤقرين على وسائل التاصل الإجتماعي.
لكن الأبحاث تؤكد بوضوح أن التعليم وحده لا يتنبأ بالتغيرات في السلوك.
بدلاً من ذلك، قد يكون تغيير معتقداتك حول الحواجز التي تمنعك من ممارسة الرياضة هو المفتاح لجعلك تتحرك أكثر.
في عام 1977، اقترح عالم النفس ألبرت باندورا أن القدرة على أداء مهمة ما حتى عندما تكون صعبة - وهو مفهوم يسمى الكفاءة الذاتية - هي أهم سمة شخصية تدفع إلى تغييرات صحية في السلوك.
بعد مرور نصف قرن، لا تزال الكفاءة الذاتية تُعتبر أحد أهم العوامل الشخصية المؤثرة في تغيير السلوك فيما يتعلق بالنشاط البدني طويل الأمد.
يقوم الباحثون الذين يطورون ويختبرون برامج التدخل الرياضي، بمن فيهم أنا، بتقييم الأدوات والبرامج الجديدة المصممة لتعزيز الكفاءة الذاتية .
قد يقول الشخص ذو الثقة العالية بقدرته على ممارسة الرياضة إنه يستطيع العودة إلى روتينه الرياضي حتى لو فاته يوم.
أو قد يجد طريقة لممارسة الرياضة حتى في أوقات انشغاله أو تعبه. أما الشخص ذو الثقة المنخفضة بقدرته على ممارسة الرياضة فقد يضطر إلى التخلي عن روتينه إذا واجه نفس العقبات.
لكن كيف يمكنك بناء هذه السمة الحاسمة وزيادة الحركة؟ وجدت دراسة تحليلية شاملة أنه على الرغم من أهميتها، لا توجد طريقة سحرية واحدة لتعزيز الكفاءة الذاتية.
ذلك لأن سلوك الأفراد أكثر تعقيداً من مجرد العوامل الفردية. فالأفراد والجماعات لديهم احتياجات وسياقات مختلفة تتطلب مناهج مصممة خصيصاً لهم.
نصائح لزيادة الكفاءة الذاتية في ممارسة الرياضة
قد تتأثر الكفاءة الذاتية بعوامل متعددة، ولكن لا يزال بإمكان الناس تطبيق تقنيات لتعزيز قدرتهم على البدء في ممارسة التمارين الرياضية والاستمرار فيها.
اجعلها قابلة للتحقيق. قد يبدو وضع الأهداف الشخصية أمرًا بديهيًا، لكن الكثير منا يضع أهدافًا طموحة للغاية وينتهي به الأمر محبطًا.
الأهداف التي تركز على فقدان الوزن أو صحة القلب أو قوة العضلات جيدة، لكنها قد تستغرق وقتًا طويلًا لتحقيقها. الأهداف طويلة المدى لا تحفز عادةً في اللحظات الصعبة، مثل عندما ترغب في تأجيل المنبه لكنك وعدت نفسك بالمشي لمسافة طويلة قبل العمل.
بدلاً من ذلك، جرّب وضع أهداف قصيرة المدى، مثل تحديد عدد معين من المشي خلال استراحة الغداء في أيام العمل.
سيساعدك هذا على الاقتراب من أهدافك طويلة المدى، مع تسهيل رؤية التقدم والشعور به.
في عام 2026، حدّثت الكلية الأمريكية للطب الرياضي إرشاداتها بشأن تدريبات القوة، والتي تمثل خلاصة نتائج 137 مراجعة منهجية، وهي أول تحديث لها منذ عام 2009.
ما هو أبرز اختلاف في التوصيات؟
الاستمرارية أهم من التخصص في برامج تدريبات القوة.
وهذا يعني أن ممارسة أي نوع من تدريبات القوة لها فوائد صحية طالما أنها من النوع الذي ستستمر في ممارسته.
اجعلها تراكمية، توصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بممارسة 150 دقيقة من التمارين الهوائية على مدار الأسبوع، وليس دفعة واحدة.
تُظهر الأبحاث أن فترات النشاط القصيرة لها تأثيرات كبيرة على صحتك العامة، كما أنها تزيد من احتمالية استمرارك عليها.
هل لديكِ ١٥ دقيقة فقط أثناء نوم طفلكِ؟
جهّزي فيديو تمارين قصير أو تطبيقًا رياضيًا لوقت القيلولة. تنتظرين بدء اجتماعكِ التالي عبر زووم؟
اصعدي الدرج مرة أو مرتين. تُسخّنين غداءكِ في الميكروويف؟
تمسكي بالمنضدة وارفعي وخفضي كعبيكِ حتى يرن المؤقت.
كل جهد صغير يُحدث فرقًا في صحتكِ الجسدية والنفسية.
اجعلها ذات معنى.
أعطِ الأولوية للأشياء التي تستمتع بها. الصالة الرياضية ليست للجميع، ولحسن الحظ، هذا النوع من التمارين المنظمة هو مجرد خيار واحد من بين العديد من الخيارات للنشاط البدني. اذهب لمراقبة الطيور، انضم إلى مجموعة بستنة، شاهد حلقات متتالية من برنامجك المفضل على جهاز المشي.
أي نشاط تقوم به ويستهلك طاقة هو بمثابة إضافة قيمة إلى رصيدك الأسبوعي من النشاط البدني.
اجعل الأمر أكثر متعة. اختر أن تكون برفقة أشخاص يمارسون الرياضة بالفعل، ويشجعونك على فعل ذلك أيضاً.
تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يميلون إلى الخمول سيزيدون من نشاطهم البدني من خلال الاختلاط بشخص نشيط.
أظهرت دراسة أخرى أن كبار السن يستطيعون الاستفادة من طاقة أقرانهم أثناء التمارين الجماعية، مما يساعد على تعزيز ثقتهم بأنفسهم.
بل إن ممارسة الرياضة مع الآخرين قد تقلل من العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة.
إضافةً إلى ذلك، فإن اختيار الأنشطة البدنية التي تستمتع بها يُحسنّ مزاجك ويعزز ثقتك بنفسك.
التغلب على العقبات
تأتي هذه الاستراتيجيات مع تحذير هام للغاية: إن زيادة الكفاءة الذاتية أمرٌ تمكيني، لكن السياق مهم أيضاً.
تتجاوز بعض العوائق الهيكلية أمام النشاط البدني نطاق دوافعنا الفردية. ويعلم الباحثون والمتخصصون في الرعاية الصحية أن انخفاض الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وتراجع مستوى الأمان في الأحياء، وعدم توفر برامج التمارين الرياضية، تجعل ممارسة النشاط البدني والحفاظ عليه أكثر صعوبة.
لكن الأمر الذي يجب تذكره هو أن حتى التحسينات الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة.
فالممارسة المستمرة - وليست الكمال - هي المفتاح لجني جميع فوائد النشاط البدني.








