لعقود، تم تعريف التصلب المتعدد (MS) بشكل أساسي من خلال أعراضه، بدلاً من بيولوجية الأساسية.
الآن، تهدف دراسة جديدة إلى تحدي هذا النهج، حيث تقدم أدلة على أن التصلب المتعدد قد يتبع في الواقع مسارين بيولوجيين متميزين.
إنه تحول يمكن أن يعيد تشكيل طريقة تفكير الأطباء في التشخيصات وتطور المرض واستراتيجية العلاج.
في الرعاية السريرية اليومية، يُعالج التصلب المتعدد كمرض واحد ذي أعراض متنوعة. ويعتمد الأطباء على أنماط الالتهاب، والتغيرات في التصوير الطبي، والأعراض العصبية لتوجيه قرارات العلاج.
لكن بالنسبة للعديد من المرضى، فإن إدارة المرض ليست بالأمر السهل. فالعلاجات التي تُجدي نفعًا مع البعض لا تُجدي مع آخرين، وغالبًا ما يتطور المرض بطرق تقاوم استراتيجيات العلاج التقليدية.
يُعدّ هذا النوع من التباين بين المرضى جزءًا شائعًا من تعقيد التصلب المتعدد. والآن، تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة " برين" إلى أن هذا التعقيد قد يُشير إلى شيء أكثر جوهرية. فبدلًا من أن يعكس تباينًا لا نهائيًا ضمن اضطراب واحد، تُشير الدراسة إلى أن التجارب المرضية المختلفة قد تنبع من أنماط بيولوجية متميزة.
لاستكشاف هذا الاحتمال، شرع باحثون في جامعة كوليدج لندن وشركة كوين سكوير أناليتكس في النظر إلى ما هو أبعد من الأعراض والتصنيفات السريرية والتركيز بدلاً من ذلك على الإشارات البيولوجية لكيفية تسبب التصلب المتعدد في تلف الدماغ.
لم يكن الهدف مجرد تتبع نشاط المرض، بل معرفة ما إذا كانت الأنماط الخفية في التنكس قد تكشف عن مسارات أساسية مختلفة.
ولتحقيق ذلك، جمع الفريق مصدرين متكاملين للمعلومات. الأول جاء من قياسات الدم لسلسلة نيوروفيلامنت الخفيفة في المصل (sNfL)، وهو بروتين يُفرز عند تلف الخلايا العصبية ويُستخدم على نطاق واسع كمؤشر على نشاط المرض. أما الثاني فجاء من فحوصات الرنين المغناطيسي التي رصدت كيفية انتشار التدهور البنيوي في الدماغ بمرور الوقت.
بدلاً من فحص كل مجموعة بيانات على حدة، قام الباحثون بتحليلها معًا باستخدام نظام تعلّم آلي طُوّر في جامعة لندن الجامعية يُدعى SuStaIn (استدلال النوع الفرعي والمرحلة). صُمّم هذا النموذج للكشف عن أنماط المرض الدقيقة ورسم خريطة لكيفية تطورها، مما يسمح للفريق باختبار ما إذا كان التصلب المتعدد يتبع مسارًا بيولوجيًا واحدًا أم مسارًا أكثر تعقيدًا.
عندما قام الفريق بفحص بيانات التصوير والمؤشرات الحيوية المجمعة من 634 شخصًا مصابًا بالتصلب المتعدد، بدأ نمط غير متوقع في الظهور.
بدلاً من رصد طيف مرضي متجانس، ظهر نمطان بنيويان متميزان. ووجد الفريق أن المرضى يتجمعون في مجموعات منفصلة تعكس مسارات كامنة مختلفة للتنكس العصبي.
تميز أحد النمطين الفرعيين بتلف مبكر يتركز في قشرة الدماغ، بينما تميز الآخر بتنكس في مناطق المادة البيضاء.
رغم أن كلا النمطين أدى في النهاية إلى ظهور الأعراض المرتبطة بالتصلب المتعدد، إلا أن موقع تلف الأنسجة ومساره عبر الدماغ اختلفا اختلافًا كبيرًا بين المجموعتين.
وبغض النظر عن التشريح، فقد اتبع النوعان الفرعيان مسارات زمنية مختلفة لتطور المرض. أظهرت إحدى المجموعات نمطًا أبطأ وأكثر تدريجية من التدهور الهيكلي، بينما شهدت المجموعة الأخرى تنكسًا عصبيًا أسرع، مما يعزز فكرة أن التصلب المتعدد قد لا يتطور وفقًا لساعة بيولوجية واحدة.
يساعد هذا الانقسام البيولوجي في تفسير أحد أكثر الإحباطات استمرارًا في رعاية التصلب المتعدد: لماذا غالبًا ما يعاني المرضى الذين لديهم تشخيصات مماثلة من نتائج مختلفة تمامًا.
إذا تطور التصلب المتعدد عبر أك
ثر من مسار مرضي، فقد يعتمد التشخيص ليس فقط على شدة الأعراض، بل على النمط البيولوجي الأساسي الذي يتبعه المريض. عمليًا، قد يُغير هذا من كيفية تفسير الأطباء للإشارات المبكرة للمرض وتقييمهم للمخاطر طويلة الأمد.
يظهر النمط نفسه في الاستجابة للعلاج. فالعلاجات التي تبطئ تطور المرض في نوع فرعي معين قد تكون أقل فعالية بكثير في نوع آخر، مما يساعد على تفسير سبب استجابة بعض المرضى بشكل جيد لأدوية معينة بينما لا يحقق آخرون سوى فائدة ضئيلة.
نظراً لأن التغيرات في بنية الدماغ والمؤشرات الحيوية في الدم غالباً ما تظهر قبل التدهور السريري الواضح، يقترح الباحثون أن هذا النوع من التصنيف الفرعي القائم على البيانات يمكن أن يساعد الأطباء في نهاية المطاف على توقع تفاقم المرض في وقت أبكر من الطرق القائمة على الأعراض وحدها.
بالنسبة للباحثين، يفتح هذا الإطار آفاقًا جديدة لدراسة آليات الأمراض التي لطالما صعّبت فهمها تحت مسمى تشخيصي واحد. وإذا ما استمرت هذه الجهود في تحقيق نتائج إيجابية، فقد تُسهم في تقريب رعاية مرضى التصلب المتعدد من نموذج علاجي أكثر تخصيصًا قائم على علم الأحياء.
في الوقت الراهن، لا يزال العمل في مرحلة البحث، ولم يُعتمد هذا النهج بعدُ للتشخيص السريري أو توجيه العلاج. وتتمثل الخطوة التالية للفريق في توسيع نطاق الدراسة لتشمل مجموعات أكبر وأكثر تنوعًا من المرضى للتأكد من صحة الأنماط البيولوجية نفسها في الواقع العملي.
نُشرت هذه الدراسة في مجلة Brain.










