شعار مجلة وفاء

لا بأس أن يشعر الأطفال بالملل، بل إنه أمر جيد لهم

شارك:

لا بأس أن يشعر الأطفال بالملل، بل إنه أمر جيد لهم

هناك أسباب عديدة تدفع الآباء والأمهات إلى الحرص على عدم شعور أطفالهم بالملل.

يُعدّ الملل جزءًا شائعًا من الحياة عبر الزمان وفي جميع أنحاء العالم. وذلك لأن الملل يخدم غرضًا مفيدًا: فهو يحفز الناس على السعي وراء أهداف وتحديات جديدة.

أنا أستاذة جامعية أدرس التواصل والثقافة. أكتب حاليًا كتابًا عن التربية الحديثة، وقد لاحظت أن العديد من الآباء يحاولون مساعدة أطفالهم على تجنب الملل. قد يرونه شعورًا سلبيًا لا يرغبون أن يختبره أطفالهم، أو قد يوجهونهم للقيام بشيء يرونه أكثر إنتاجية.

هناك أسباب عديدة تدفع الآباء والأمهات إلى الحرص على عدم شعور أطفالهم بالملل. فالكثير منهم منشغلون بأعمالهم، ويعانون من ضغوط مالية، ومسؤوليات رعاية الأطفال، وإدارة جوانب أخرى من حياتهم اليومية. لذا، فإنّ إشغال الطفل بلعبة، أو برنامج تلفزيوني، أو مشروع فنيّ في المنزل، يُساعد الآباء على العمل دون انقطاع، أو تحضير العشاء، دون أن يتذمّر أطفالهم من الملل.

وقد يشعر الآباء أيضاً بالضغط من أجل نجاح أطفالهم، سواء كان ذلك يعني الالتحاق بمدرسة انتقائية، أو أن يصبحوا رياضيين جيدين أو موسيقيين بارعين.

يقضي الأطفال أيضاً وقتاً أقل في اللعب بحرية في الهواء الطلق ووقتاً أطول في المشاركة في الأنشطة المنظمة مقارنة بما كانوا يفعلونه قبل بضعة عقود.

لقد سهّل الوصول إلى الشاشات تجنب الشعور بالملل أكثر من أي وقت مضى.

اضطر العديد من الآباء إلى وضع أطفالهم أمام الشاشات طوال فترة الجائحة لإشغالهم خلال ساعات العمل. ومؤخراً، أفاد بعض الآباء بشعورهم بضغط اجتماعي لاستخدام الشاشات لإبقاء الأطفال هادئين في الأماكن العامة.

بمعنى آخر، هناك أسباب عديدة تجعل الآباء يتجنبون شعور أطفالهم بالملل. ولكن قبل السعي للقضاء على الملل تماماً، من المهم معرفة فوائده.

فوائد الملل

على الرغم من أن الشعور بالملل سيء في لحظته، إلا أنه يقدم فوائد حقيقية للنمو الشخصي .

يُعدّ الملل إشارة الى الحاجة الى التغيير، سواءً كان تغييراً في المكان أو النشاط أو الرفقة. وقد وجد علماء النفس أن تجربة الملل قد تؤدي إلى اكتشاف أهداف جديدة وتجربة أنشطة جديدة.

توصل آرثر بروكس، أستاذ القيادة العامة وغير الربحية في جامعة هارفارد، إلى أن الملل ضروري للتأمل. فالوقت الضائع يتيح فرصة لطرح الأسئلة الكبرى في الحياة وإيجاد المعنى.

قد يصبح الأطفال الذين نادراً ما يشعرون بالملل بالغين لا يستطيعون تحمله. كما أن الملل يحفز الدماغ، مما ينمي فضول الطفل الفطري وإبداعه.

يُعدّ تعلّم كيفية إدارة الملل والمشاعر السلبية الأخرى مهارة حياتية مهمة. فعندما يُدير الأطفال وقتهم بأنفسهم، يُمكن أن يُساعدهم ذلك على تنمية وظائفهم التنفيذية، والتي تشمل القدرة على تحديد الأهداف ووضع الخطط.

تُعدّ فوائد الملل منطقية من منظور تطوري. فالملل شائع للغاية، ويؤثر على جميع العمار والأجناس والثقافات، والمراهقون ألأكثر عرضةً له. يُفضّل الانتقاء الطبيعي الصفات التي تُعطي الأفضلية، لذا من غير المرجح أن يكون الملل شائعًا جدًا لو لم يُقدّم بعض المزايا.

ينبغي على الآباء الحذر من التعامل مع الملل كمشكلة يجب عليهم حلها نيابةً عن أبنائهم. فقد وجد علماء النفس أن طلاب الجامعات الذين يتدخل آباؤهم بشكل مفرط في حياتهم يعانون من الاكتئاب بشكل أكبر.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن الأطفال الصغار الذين تم تزويدهم بشاشات لمساعدتهم على الهدوء كانوا أقل قدرة على تنظيم عواطفهم مع تقدمهم في السن.

الملل شعور مزعج

إن تحمل الملل مهارة يقاوم العديد من الأطفال تعلمها أو لا تتاح لهم الفرصة لتطويرها. حتى أن العديد من البالغين يفضلون التعرض لصدمة كهربائية على الشعور بالملل.

يتطلب الأمر تدريبًا لتعلم كيفية التعامل مع الملل. ابدأ بفترات قصيرة من الملل، ثم زدها تدريجيًا إلى فترات أطول من الوقت الحر. من النصائح للآباء: إخراج الأطفال إلى الهواء الطلق، أو اقتراح لعبة أو وصفة جديدة، أو ببساطة أخذ قسط من الراحة. إن إتاحة مساحة للملل تعني وجود فترات زمنية لا يحدث فيها شيء محدد.

قد يحتاج الأطفال الصغار الى أفكار لأنشطةٍ يمكنهم القيام بها عند الشعور بالملل. ليس على الآباء اللعب معهم في كل مرة يشعرون فيها بالملل، ولكن تقديم الاقتراحات مفيد. حتى خمس دقائق من الملل تُعدّ بدايةً جيدةً للأطفال الصغار.

إن تشجيع الأطفال الأكبر سنًا على حل مشكلة الملل بأنفسهم يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية لتمكينهم. دعهم يعرفون أن الملل جزء طبيعي من الحياة، حتى وإن كان مزعجًا.

يصبح الأمر أسهل

الأطفال قادرون على التكيف.

عندما يعتاد الأطفال على الشعور بالملل بين الحين والآخر، سيستغرق الأمر وقتاً أطول قبل أن يشعروا بالملل في المستقبل. يجد الناس الحياة أقل مللاً عندما يختبرون الملل بانتظام .

قد يُساعد التخلي عن واجب تسلية الأطفال الآباء على الشعور بضغط أقل. فقد أفاد حوالي 41% من الآباء في الولايات المتحدة بأنهم "يعانون من ضغط شديد يمنعهم من القيام بأي عمل"، بينما ذكر 48% منهم أن "ضغطهم النفسي يفوق طاقتهم في معظم الأيام"، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن الجراح العام الأميركي عام 2024.

لذا في المرة القادمة التي يشكو فيها طفل قائلاً: "أشعر بالملل!"، لا تشعر بالذنب أو الإحباط. فالملل جزء صحي من الحياة، فهو يحفزنا على الاعتماد على أنفسنا، واكتشاف هوايات جديدة، وخوض تحديات جديدة.

دع الأطفال يعرفون أن الشعور بالقليل من الملل ليس مقبولاً فحسب، بل هو في الواقع مفيد لهم.

اشترك في النشرة البريدية

ليصلك جديد وفاء مباشرة إلى بريدك الإلكتروني حسب اهتماماتك