بين سن الأربعين والسادسة والأربعين، وصلنا إلى قاع منحنى الحياة على شكل حرف U في أزمة وجودية.
للأزمات الخارجية، كالحروب والأوبئة والاضطرابات الاقتصادية، تأثيرٌ غريب: فهي تُخرجنا من روتيننا اليومي وتُثير فينا حالةً من التأمل الذاتي العميق. في مثل هذه اللحظات، نتوقف فجأةً ونسأل أنفسنا أسئلةً جوهرية:
هل أعيش الحياة الصحيحة؟
هل أفعل ما أريده حقًا؟
هل أنا راضٍ عن علاقاتي؟
عادةً ما نتجاهل هذه الأفكار في خضمّ مشاغل الحياة اليومية، ولكن عندما يكون العالم الخارجي مضطربًا، وخاصةً عندما نبلغ سنًا معينة، فإنها تطفو على السطح.
مفارقة منتصف العمر
أنت في الأربعينيات أو الخامسة والأربعين من عمرك، وناجح ومُنجز موضوعيًا. لكنك تشعر، بطريقة ما، بالإرهاق الشديد، وكأنك استنفدت طاقتك ولم تعد قادرًا على المضي قدمًا. تبدأ الحياة في الظهور قاسية وغير متسامحة - "بشعة، ووحشية، وقصيرة"، كما وصفها الفيلسوف توماس هوبز.
قد يلاحقك إدراكٌ مُقلق: كل ما حققته، كالوظيفة، والمال، والمكانة، والزواج، والأبوة، لن يجعلك سعيدًا إلى الأبد.
قد تُثير هذه الفكرة شعورًا حقيقيًا بالذعر، فتتساءل: إن لم تكن كل هذه الأشياء كافية، فما الذي سيجلب لك السعادة الحقيقية؟
يُطلق البروفيسور كيران سيتيا، في كتابه " منتصف العمر: دليل فلسفي" ، على هذه الحالة اسم "مزيج غير مريح من الحنين، والندم، والشعور بالاختناق، والخوف."
بحسب جيمس هوليس، المحلل النفسي اليونغي، فإنّ الأربعينيات من العمر هي المرحلة التي نمرّ فيها بما يُسمى "المرحلة الانتقالية" (3). في هذه المرحلة، تتوقف الأفكار والمعتقدات القديمة التي كانت تُضفي معنىً على حياتنا عن العمل، لكننا لم نجد بعدُ بديلاً جديداً لها. قد يُغفل المرء المغزى الحقيقي للأمر عندما يصفه بأنه يوم سيء، أو يشعر بالإحباط، أو التعب، فالوضع أعمق من ذلك بكثير، وهو ذو طابع وجودي. ومن المعروف أن لهذه التجربة تأكيداً رياضياً واضحاً.
ماذا تقول الأرقام: منحنى السعادة على شكل حرف U.
قام الخبيران الاقتصاديان ديفيد بلانشفلاور وأندرو أوزوالد بتحليل أكثر من 500 ألف استطلاع رأي من 72 دولة حول العالم، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيمبابوي. وخلصا إلى أن مستوى سعادة الناس بحياتهم يتبع نمطًا على شكل حرف U، حيث تقع أدنى نقطة، أي قاع المنحنى، بين سن الأربعين والسادسة والأربعين.
هذا ما تكشفه هذه البيانات.
1. انهيار أوهام المستقبل
في سنّ الشباب، حوالي العشرين، نميل إلى الاعتقاد بأن حياتنا ستبدأ فعلاً في وقت ما في المستقبل. نقطع على أنفسنا وعوداً: " بمجرد تخرجي، سأبدأ أخيراً بالعيش" ، أو " بمجرد حصولي على تلك الترقية، ستنطلق حياتي حقاً" . بل يعتقد بعضنا أن شراء منزل هو مفتاح السعادة. ولكن مع بلوغنا الخامسة والأربعين، تتضح لنا الحقيقة، فنكون قد حققنا أهدافنا أو لم نحققها. وفي كلتا الحالتين، يبدأ الحماس والترقب بالتلاشي.
تُدرك أن الخطوة التالية في السلم الوظيفي ليست حلاً سحرياً، بل هي مجرد درجة أخرى، لم تعد البوابة المرجوة لحياة مثالية، بل مجرد جزء من الرحلة.
مع تقدم الناس في العمر، يبدأون بإدراك نقاط قوتهم وضعفهم الحقيقية. ويشير بلانشفلاور وأوزوالد إلى أننا في منتصف العمر نقارن حياتنا الواقعية بالأحلام التي راودتنا في شبابنا. والفجوة بين ما كنا نتمناه وما حصلنا عليه فعلياً هي ما يُسبب خيبة الأمل الأكبر في هذه المرحلة.
2. ذروة المسؤولية
عندما تبلغ الأربعين ، قد تشعر وكأنك مشتت بين مليون اتجاه مختلف. تحاول أن تكون نجمًا لامعًا في عملك، وفي الوقت نفسه، أن تكون أبًا مثاليًا لأبنائك المراهقين الذين يحتاجون إليك الآن أكثر من أي وقت مضى (حتى وإن تصرفوا عكس ذلك). وفي الوقت نفسه، تعتني بوالديك المسنين، اللذين قد يعتمدان عليك أكثر في الدعم. ولا ننسى مسؤوليات البالغين، مثل سداد أقساط الرهن العقاري والقروض. إن عدد "الواجهات" التي تتداخل مع كل شيء يفوق الوصف.
إنّ الضغط النفسي في هذه المرحلة من الحياة هائل، حتى وإن بدا كل شيء على ما يرام ظاهرياً. أنت تخوض حرباً على جبهات متعددة، وقد يجعلك الضغط لتحقيق التوازن بين كل هذه الأدوار تشعر وكأنك بالكاد تستطيع البقاء على قيد الحياة.
3. يتوقف المال عن العمل
حتى عندما أخذ الباحثون الدخل في الحسبان، لم تتغير النقطة التي يميل عندها الناس إلى أن يكونوا أقل سعادة إلا قليلاً. اختبروا الفرضية التالية: ربما في سن الأربعين، نكون غير سعداء ببساطة لأننا لا نملك ما يكفي من المال؟ اتضح أن هذا ليس هو الحال.
حتى الأشخاص الذين يكسبون أموالاً أكثر بكثير مما كانوا يكسبونه في سن الخامسة والعشرين قد يشعرون بنقصٍ عميق في الرضا. يبدو أنه بمجرد أن يصبح لديك ما يكفي لتغطية احتياجاتك الأساسية، فإن كسب المزيد لا يجعلك بالضرورة أكثر سعادة. قد تكسب ثلاثة أضعاف ما كنت تكسبه في الخامسة والعشرين، لكنك تشعر بسوءٍ أكبر بثلاثة أضعاف. يبدو أن المال يفقد قدرته على تحسين مزاجنا بمجرد تلبية احتياجاتنا الأساسية.
4. مفارقة الاكتئاب
أجرى بلانشفلاور وأوزوالد دراسة معمقة للبيانات، حيث حللا بيانات أكثر من مليون شخص في بريطانيا، مستخدمين أداة سريرية تُسمى الاستبيان العام للصحة لقياس الصحة النفسية. وكانت نتائجهم قاطعة: تبلغ حالات الاكتئاب ذروتها عند سن 44 عامًا. وكما قالا: "يرتفع احتمال الإصابة بالاكتئاب حتى منتصف العمر ثم ينخفض".
في هذا العمر، تكون أكثر عرضة لخطر الإصابة بالاكتئاب، حيث تشير الأبحاث إلى أن صحتك العقلية تكون في أدنى نقطة من الدورة على شكل حرف U (بدلاً من أن تكون ببساطة "منهكاً" أو "ضعيفًا").
5. هل بلغوا الخمسينيات من العمر؟
بعد تجاوز أدنى مستوى في سن 46 تقريبًا، يبدأ المنحنى بالصعود تدريجيًا. يربط الباحثون هذا التحول بتغير أولويات النفس البشرية تدريجيًا. يبدأ الناس بما يلي:
- مقارنة أنفسهم بالآخرين بشكل أقل
- السعي وراء المكانة الاجتماعية بشكل أقل
- تقدير المتع الهادئة والتقارب العاطفي والعلاقات بشكل أكبر.
وفقًا لنظرية كارستنسن للانتقائية الاجتماعية العاطفية ، مع تقدم الناس في السن، يتقلص أفقهم الزمني. يبدأون بالتركيز على اللحظة الحالية وما يهم حقًا، بدلًا من القلق بشأن مستقبل لا نهائي.
مع ذلك، بعد سن الخمسين، قد يواجهون أيضًا تحديات جديدة مثل أزمة فراغ العش أو أزمة ما قبل التقاعد، مما قد يجعل رحلة الصعود في المنحنى صعبة بعض الشيء.
6. هناك مخرج: قصة كيران سيتيا
في الخامسة والثلاثين من عمره، وجد البروفيسور سيتيا نفسه على مفترق طرق. كان يملك كل ما ظن أنه يريده: منصب مرموق كأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وعائلة محبة، وأمان مالي.
ومع ذلك، ورغم كل هذه الإنجازات، لم يستطع التخلص من شعور بالفراغ. وبينما كان ينظر إلى الحياة التي بناها بعناية، بدا له الطريق الطويل المتوقع أمامه كخط مستقيم - سلسلة لا تنتهي من الإنجازات تقود في النهاية إلى التقاعد والتدهور والموت. هذا الاحتمال المخيف تركه يشعر بالقلق وعدم الرضا.
ماذا فعل؟ توقف عن الجري، وانغمس بدلاً من ذلك في أمور لا نهاية لها ولا اكتمال: نزهات بلا هدف، ومحادثات مفتوحة مع الأصدقاء، ومعرفة الذات من أجل المتعة (لا الإنجازات)، وتربية أبنائه لا كمشروع لإنتاج إنسان ناجح، بل كعملية ممتعة. كل ذلك مجتمعاً جلب له الراحة.
عندما نواجه أوقاتًا عصيبة، لا سيما في منتصف العمر وفي ظلّ عدم استقرار عالمي، تبرز فرصة عظيمة لإحداث تغيير إيجابي عميق. يمكن للعلاج النفسي الديناميكي الفردي أن يساعد الأفراد خلال هذه الفترة على عيش اللحظة الحاضرة وتقدير ما يحدث الآن، بدلًا من الانشغال بمخاوف المستقبل أو الماضي. من خلال التواجد في اللحظة، يمكن للمرء أن يشعر بمزيد من الثبات والرضا.
تقود هذه الرحلة إلى عملية أطلق عليها كارل يونغ اسم "التفرد" . لم يعد تراكم المزيد من الإنجازات هو الحل. بل تبدأ الحياة بإضافة بُعد نوعي إلى البُعد الكمي. تبدأ في اكتشاف مصادر جديدة للقوة والتجدد في أماكن لم تستكشفها من قبل، وتصبح تجاربك السابقة الأساس الذي تبني عليه خطواتك التالية، مما يسمح لك بالنمو والنهوض من جديد في النصف الثاني من حياتك.




.webp)


