شعار مجلة وفاء

وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من الصعب تذكر شكلنا

شارك:

وسائل التواصل الاجتماعي تجعل من الصعب تذكر شكلنا

تشير دراسة جديدة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر على تصوراتنا الذاتية بقدر تأثيرها على تقديرنا لذاتنا

بالنسبة للكثيرين، حوّلنا عصر وسائل التواصل الاجتماعي إلى متصفحين مشتتين، نقضي ساعات في متابعة الأخبار والمحتوى السلبي. ومن القلق واضطرابات النوم إلى الأفكار السلبية حول مظهرنا، أصبح تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الطريقة التي نرى بها أنفسنا موثقًا جيدًا. والآن، تشير دراسة جديدة إلى أنها قد تجعلنا ننسى أيضًا كيف نبدو.

نُشرت الدراسة في مجلة «الحاسوب في السلوك البشري»، وشارك فيها 95 شخصًا من جيلَي الألفية و«زد»، من الرجال والنساء، وجميعهم يستخدمون إنستغرام منذ ثماني سنوات في المتوسط. وخضع المشاركون لتجربة واقع افتراضي تُعرف باسم «أوهام الجسد». وافترض الباحثون أن الاستخدام المطول لإنستغرام و«التعرض لمحتوى مثالي ومتجانس يركز على المظهر» قد يجعل من الصعب على الشخص التمييز بين وجهه ووجه شخص غريب.

في أحد أجزاء التجربة، شاهد المشارك، أثناء ارتدائه نظارة الواقع الافتراضي، وجه شخص غريب يُلمس على خده، بينما كان يشعر في الوقت نفسه باللمسة نفسها على خده لمدة 120 ثانية. وكان التشابه الوحيد بين المشارك والشخص الغريب هو الجنس، إذ لم يكن وجه الغريب شبيهًا بوجهه.

بعد التجربة، أجاب المشاركون عن استبيان طُلب منهم فيه تحديد مدى موافقتهم على عبارات مثل: «أحيانًا، شعرت أن الوجه الافتراضي هو وجهي» و«أحيانًا، لم أكن أدرك أن وجهي الحقيقي مختلف عن الوجه الافتراضي». وبناءً على النتائج، وجد الباحثون أنه كلما زاد عدد السنوات التي أفاد الشخص باستخدامه لإنستغرام خلالها، زادت احتمالية شعوره بأن وجه الشخص الغريب هو وجهه.

ويبدو الأمر وكأنه تطور أكثر قتامة لعصر التنميط الجمالي. وتقول الدكتورة ماريا سانسوني، المؤلفة الرئيسية للدراسة والباحثة ما بعد الدكتوراه في الجامعة الكاثوليكية للقلب المقدس في ميلانو بإيطاليا: «عندما تقضي وقتًا طويلًا على الإنترنت وتتعرض لمعايير الجمال هذه بكثرة، تفقد إحساسك بالتفرد الذي يميزك». وبذلك، تبدأ الحدود بين مظهرك ومظهر الآخرين بالتلاشي.

ومن اللافت أيضًا أن الأشخاص الذين اعتادوا استخدام فلاتر التجميل لسنوات كانوا أكثر ميلًا إلى الشعور بأنهم يتحكمون بشكل كامل في جسد شخص غريب، وذلك في جزء آخر من الدراسة.

ورغم صغر حجم الدراسة، تشير نتائجها إلى أن الطريقة التي تتذكر بها أدمغتنا وأجسادنا السمات التي تميزنا قد تكون قابلة للتغيير بدرجة كبيرة. وتقول سانسوني: «إنها مرنة للغاية، لدرجة أنك قد تخلط بين نفسك وشخص آخر لم تره من قبل».

وقد يؤدي التعرض لسنوات لمعايير الجمال نفسها على إنستغرام تدريجيًا إلى إضعاف قدرة أدمغتنا على التعرف على وجوهنا. فمع كل تصفح لوسائل التواصل الاجتماعي، نرى الملامح نفسها تقريبًا تتكرر على وجوه مختلفة وفي حسابات متعددة: من الجبهة شديدة النعومة والبشرة الصافية كالزجاج إلى الحواجب الكثيفة والشفاه الممتلئة بشكل لافت.

وقد يكون هذا التراجع الظاهر في قدرتنا على تمييز أنفسنا عن الغرباء جانبًا آخر من مشكلات صورة الجسد التي ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيزها.

وتقول فرانشيسكا إيما، أخصائية الصحة النفسية المرخصة في نيويورك، والتي لم تشارك في الدراسة، لمجلة «ألور»، إن التعرض المتكرر لنموذج الجمال نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد «نمط جمالي»، بل هو أيضًا «نمط نفسي».




تقول إيما: «كلما تعرض الشخص بشكل متكرر لنوع الجسم نفسه أو ملامح الوجه أو ملمس البشرة أو المظهر المثالي عمومًا، زادت احتمالية أن يسجل الدماغ تلك الصورة باعتبارها الشكل "الافتراضي" الذي يُفترض أن يبدو عليه الإنسان».

وبمرور الوقت، قد يبدأ أي مظهر خارج هذا القالب في الظهور على أنه غير طبيعي أو غير مألوف. وتوضح إيما أنه عندما لا تبدو مثل الأشخاص الذين تراهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تنشأ مشاعر «الاختلاف» أو «عدم الكفاية».

لكن المشكلة ليست في مجرد رؤية شخص جذاب، بل في المعنى الذي يربطه دماغنا بهذه المقارنة، بحيث قد يتحول الأمر إلى اعتقاد مثل: «إذا لم أكن أبدو هكذا، فلا بد أن هناك خطبًا ما بي».

وتضيف إيما أن ما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا اليوم هو صعوبة التمييز بين الواقع والخيال على وسائل التواصل الاجتماعي. فمع إمكانية استخدام الفلاتر والذكاء الاصطناعي لتعديل الصور، أصبحت الكثير من معايير الجمال الحديثة قائمة على مظاهر قد يكون من المستحيل تحقيقها في الواقع.

وتضيف الدكتورة سيرا لافيل، الحاصلة على دكتوراه في علم النفس السريري في مدينة نيويورك، أن رؤية هذا العدد الهائل من الوجوه خلال فترة زمنية قصيرة ظاهرة حديثة نسبيًا. فقبل وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى قبل التلفزيون، كان الناس يرون نحو مئة وجه يوميًا، وغالبًا ما كانت الوجوه نفسها في محيطهم، من دون تعديل أو تحسين.

ومع ظهور التلفزيون، ازداد تأثير المشاهير على الموضة والجمال، لكن المشاهدين كانوا يدركون أن معايير الجمال التي يشاهدونها ليست بالضرورة واقعية أو قابلة للتحقيق. وكان هناك فصل أوضح بين معايير الجمال اليومية وثقافة المشاهير.

لكن ذلك بدأ يتغير مع ظهور تلفزيون الواقع، ثم لاحقًا مع وسائل التواصل الاجتماعي. كان التلفزيون أول تقنية تُدخل غرباء جذابين إلى منازلنا، ثم جعل تلفزيون الواقع ثقافة المشاهير تبدو أقرب إلى حياة الأشخاص العاديين، وهي ظاهرة ارتبطت بانخفاض الرضا عن صورة الجسد.

واليوم، بالنسبة للأشخاص الذين أمضوا سنوات على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الوجوه التي تظهر على إنستغرام مألوفة للغاية في أذهانهم. ورغم أن الأبحاث لا تزال غير قادرة على تحديد عدد الوجوه التي يراها الشخص يوميًا في عام 2026، فقد قدر باحثون قبل نحو عقد أن 95 مليون صورة وفيديو كانت تُنشر على إنستغرام يوميًا.

وبالنظر إلى أن المنشورات التي تحتوي على وجوه تحظى باهتمام أكبر، وأن الأمريكيين يقضون في المتوسط نحو أربع ساعات ونصف الساعة على هواتفهم يوميًا، فمن المرجح أن التعرض لهذا العدد الهائل من الوجوه، التي يتشابه الكثير منها، قد ازداد بصورة كبيرة داخل البيئة الرقمية.

وتقول لافيل: «عقلك يقول: "هذا هو شكل العالم"». وتضيف: «نبدأ تقريبًا في تجاهل الأشخاص الموجودين حولنا، ونبدأ في الشعور بأن العالم بأكمله يشبه هؤلاء الأشخاص الذين نراهم على وسائل التواصل الاجتماعي».

وقد يكون ذلك أحد أسباب تزايد الطلب على عمليات شد الوجه بين الشباب في العشرينات من العمر، إذ يُطلب من بعض جراحي التجميل، وفقًا للتقارير، محاكاة وجوه مولدة بالذكاء الاصطناعي على مرضاهم.

لكن حتى الجراحة التجميلية لا تضمن التخلص من الشعور بعدم الرضا عن مظهر الوجه. وتقول إيما: «المعايير تتغير باستمرار لأن الصورة التي يسعون إليها ربما لم تكن قابلة للتحقيق بالكامل من الأساس. بالنسبة للكثيرين، لا توجد نقطة نهاية واضحة لأن الهدف نفسه يتغير باستمرار».

ورغم أن البعض قد يعتقد أن الحل الوحيد للخروج من دوامة التشابه هذه هو الابتعاد تمامًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، فإن إيما لا تتفق مع ذلك. فالهدف، بحسب قولها، ليس التخلص من وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بذل جهد أكبر للتشكيك في الصور التي نستهلكها، وبناء بيئات على هذه المنصات تكون أكثر تنوعًا وواقعية.

وتقول إيما: «إن تقليل الوقت الذي نقضيه في عزلة، مع زيادة التواصل وإعادة الاتصال بأجسادنا، كلها عوامل وقائية للصحة النفسية».

وقد يكون ذلك بسيطًا مثل الابتعاد عن الهاتف لبضع دقائق، وربما الاستعانة بتطبيق «بريك» أو وضع الجهاز في غرفة منفصلة. وينبغي أن يكون الهدف تقليل الوقت الذي تقضيه على هاتفك تدريجيًا.

وتضيف إيما أنه عندما تشعر برغبة في التصفح بلا هدف، يمكنك الاتصال بصديق أو مراسلته. وفي وقت الغداء أو العشاء، الذي قد يتحول بسهولة إلى وقت للتصفح، يمكنك بدلًا من ذلك التخطيط لتناول وجبة مع صديق. وتقول: «العزلة تمنح مساحة أكبر لتفاقم مشكلات صورة الجسد والأفكار السلبية».

ولا يقتصر الأمر على تجنب العزلة، بل يتعلق أيضًا بإعادة التواصل مع جسدك. ولتحقيق ذلك، تنصح إيما بالمشي من دون استخدام الهاتف والتركيز على الحواس الخمس لملاحظة ما يحيط بك. وأثناء الاستحمام، يمكن التركيز على الإحساس بالماء على الجسم.

كما يمكن ممارسة «التنفس المربع»، من خلال الاستنشاق لمدة أربع ثوانٍ، وحبس النفس لأربع ثوانٍ، ثم الزفير لأربع ثوانٍ، وحبس النفس للمدة نفسها قبل تكرار العملية.

وتتفق سانسوني، المؤلفة الرئيسية للدراسة، على أن إعادة التواصل مع الجسد أمر ضروري، إذ يشكل البحث تذكيرًا بأهمية تعزيز «الإشارات الداخلية للجسم»، وهي المعلومات التي تأتي من داخل الجسم، مثل نبضات القلب، وتساعد الدماغ على تكوين إحساسه بالذات.

فعندما يضعف إحساس الدماغ بالذات، يميل الأشخاص إلى الاعتماد بصورة أكبر على ما يرونه بدلًا مما يشعرون به. وتشير دراسة سانسوني إلى أن سنوات من تصفح إنستغرام قد تُضعف قدرتنا على الاعتماد على هذه الإشارات الداخلية، ما قد يؤثر بدوره في قدرة الدماغ على إدراك الوجه والجسد بدقة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الوجه، من بين جميع أجزاء الجسم، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهويتنا. وتقول سانسوني: «إنه، أكثر من أي شيء آخر، جوهر هويتنا».

وإذا فقدنا القدرة على التمييز بين وجهنا ووجه شخص غريب، حتى لبضع دقائق، فإننا «نفقد إدراك الهوية»، بحسب سانسوني. وتضيف: «إن الانتباه إلى تلك الجوانب الداخلية والوظيفية من تجربتنا الجسدية يذكرنا بأننا أكثر بكثير من مجرد صورة فوتوغرافية أو صورة على شاشة».

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تقع مسؤولية تغيير مفاهيم الجمال التي رسختها خوارزميات إنستغرام على الأفراد وحدهم. وترى سانسوني أن شركات التكنولوجيا قادرة أيضًا على تعديل خوارزميات إنستغرام لمنح الأولوية لمجموعة أكثر تنوعًا من الوجوه والأجسام.

وقد يشجع مثل هذا التغيير على مزيد من التعبير عن الذات والفردية، سواء عبر الإنترنت أو في الحياة الواقعية. فالمشكلة ليست أن وسائل التواصل الاجتماعي سيئة بطبيعتها أو أنه لا يمكن استخدامها بصورة إيجابية.

وتشبّه سانسوني الأمر بقيادة دراجة نارية، قائلة: «إنه أمر رائع، ويمكنك القيادة إلى مدينة أخرى، لكن عليك أيضًا أن تدرك أنك إذا تجاوزت السرعة المحددة، على سبيل المثال، فقد تتعرض للأذى».

وينطبق المبدأ نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي. وتضيف: «الأمر يتعلق برفع مستوى الوعي ومساعدة الناس على أن يكونوا أكثر قدرة على تجنب هذا الخطر».

سمات:

اشترك في النشرة البريدية

ليصلك جديد وفاء مباشرة إلى بريدك الإلكتروني حسب اهتماماتك