لم تكن لحظة تأسيس بيت الحكمة في بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية مجرد فعل سياسي أو مشروع ثقافي عابر، بل كانت إعلانا عن هوية أمة أرادت أن ترى نفسها في مرآة العالم.
هناك، بين جدران ذلك الصرح، جرى أكبر حوار بين اللغات والأفكار؛ من السريانية إلى اليونانية، ومن الفارسية إلى السنسكريتية، وكانت العربية لسانا جامعا قادرا على استيعاب الآخرين، وفي الوقت نفسه إعادة إنتاج أفكارهم في صيغة جديدة.
فالترجمة لم تكن مجرد نقل كلمات، بل كانت إعادة صياغة للذات عبر الآخر. وكان المثقف العربي في العصر العباسي يعي أن استيعاب علوم الأمم شرط للعبور إلى المستقبل.
اليوم، وبعد أكثر من ألف عام، نقف أمام مشهد لا يقل درامية: ثورة الذكاء الاصطناعي. عالم تصوغه الخوارزميات وقواعد البيانات والشبكات العصبية، عالم لا يكتفي بتمثيل الواقع بل يعيد إنتاجه وتوجيهه.
وكما واجه أسلافنا سؤال الترجمة والهوية، نواجه نحن سؤالا لا يقل خطورة: أسيكون العرب مجرد مستهلكين لهذه التقنية، أم مشاركين في صياغتها بلغة خاصة ورؤية منبثقة من تاريخهم وثقافتهم؟
لقد بدأت بعض المبادرات العربية، وإن جاءت متفاوتة في طموحها ورؤيتها، تشير إلى إرادة حقيقية لمواكبة هذه الثورة. ففي الإمارات، تقرر تدريس الذكاء الاصطناعي في المدارس، حيث يتلقى نحو مليون طالب دروسا في أساسياته وتطبيقاته وأبعاده الأخلاقية.
إنها خطوة تحمل دلالة رمزية قوية، وهي أن المستقبل لا يصنع في المختبرات فقط، بل يبدأ من الفصول الدراسية. أن يتعلم الأطفال مبكرا لغة الخوارزميات يعني أن الجيل القادم لن يكون غريبا عن التقنية، بل سيتعامل معها كما يتعامل مع الشعر أو الرياضيات.
في قطر، تستعد جامعة كارنيجي ميلون لإطلاق أول بكالوريوس في الذكاء الاصطناعي، يجمع بين علوم الحاسوب والرياضيات والأبعاد الأخلاقية.
إنها محاولة أكاديمية لتجسير الفجوة بين التقنية والإنسان، بين الحساب والقيمة. وفي العراق، ستُفتتح في سبتمبر/أيلول القادم كلية الذكاء الاصطناعي بجامعة بغداد، لتعود بغداد مرة أخرى -ولو بشكل رمزي- إلى ساحة إنتاج المعرفة، كما كانت في العصر الذهبي.
لكن ربما تأتي الخطوة الأكثر جرأة من مصر، حيث تستعد جامعة النيل لافتتاح أول كلية للإنسانيات الرقمية في المنطقة خلال العام الأكاديمي 2025.
هذه المبادرة تتجاوز النظرة التقليدية للذكاء الاصطناعي بوصفه شأنا هندسيا أو رياضيا فقط، لتضعه في قلب الحوار مع الأدب والفن والتاريخ والفلسفة. فالإنسانيات الرقمية لا ترى في التقنية مجرد أداة، بل خطابا ثقافيا يعيد صياغة علاقتنا بالعالم.
وفي هذا المعنى، يمكن القول إن كلية الإنسانيات الرقمية هي بيت حكمة جديد، لكنه بيت تتجاور فيه الخوارزميات مع الشعر، والبيانات مع التأويل، والبرمجة مع النقد الثقافي.
ومن الجدير بالملاحظة أن الاهتمام بالذكاء الاصطناعي في الوطن العربي لا يقف عند حدود التعليم الأكاديمي، بل يمتد إلى الاقتصاد والمعيشة اليومية.
ففي المغرب، جرى إطلاق مركز للاحتضان يربط بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، في محاولة لتأهيل جيل جديد من المبرمجين ورواد الأعمال. وفي عُمان، نجحت شركة ناشئة في جمع تمويل لتوسيع منصتها التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في تقليل هدر الطعام، وتحسين سلاسل التوريد.
حين نقرأ عن مئات الورش في الإمارات التي تعد الطلاب لبرمجة المستقبل، أو عن برامج أكاديمية في قطر، والعراق، أو عن حاضنات للابتكار في المغرب وعُمان، ندرك أن هناك حركة بطيئة ولكنها عميقة تعيد صياغة علاقتنا بالمعرفة.
في الأردن، جاء مشروع Ask Aqaba ليضع الذكاء الاصطناعي في قلب التجربة السياحية، حيث يستقبل ملايين الزوار كل عام بمساعد رقمي يتحدث بلغتهم ويزودهم بالمعلومات الفورية حول السياحة والاستثمار والخدمات.
وفي الكويت، اختار قطاع الاتصالات أن يختبر الذكاء الاصطناعي في عمق بنيته التحتية، من خلال شراكة بين "زين" و"هواوي" لتدشين مساعد ذكي للشبكات يقلص الأعطال، ويرفع الكفاءة بنسبة لافتة.
أما في تونس، فأُعلن عن مشروع "Tartib 2.0" الذي سيصبح إلزاميا لتقييم الاستثمارات العامة، في خطوة تكشف كيف لم تعد الخوارزميات مجرد وسيلة تقنية، بل جزءا من آليات الحكم والتخطيط الاقتصادي.
هذه الأمثلة، على تنوعها، تفتح بابا للتأمل في لحظة تاريخية فارقة: كيف يعاد تعريف علاقة الإنسان العربي بالمعلومة والقرار من خلال الخوارزميات، تماما، كما أعاد بيت الحكمة قديما تعريف علاقته بالمعرفة والنصوص؟
إن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم لا يختلف كثيرا عن سؤال الترجمة في العصر العباسي، وهو: كيف نحافظ على أصالتنا ونحن نتبنى أدوات جديدة؟ لكن ربما الأجدر أن نقلب السؤال رأسا على عقب، لنسأل: لمَ الإصرار على تقابلية زائفة بين الأصالة والمعاصرة؟ أليس الذكاء الاصطناعي ذاته فرصة لإعادة تعريف الأصالة بوصفها قدرة على التفاعل الخلاق مع العالم؟
حين نقرأ عن مئات الورش في الإمارات التي تعد الطلاب لبرمجة المستقبل، أو عن برامج أكاديمية في قطر، والعراق، أو عن حاضنات للابتكار في المغرب وعُمان، ندرك أن هناك حركة بطيئة ولكنها عميقة تعيد صياغة علاقتنا بالمعرفة. هذه الحركة لا تزال في بداياتها، لكنها تحمل بذورا يمكن أن تغير وجه الثقافة العربية في العقود المقبلة.
إن افتتاح كلية الإنسانيات الرقمية في مصر، واعتماد الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم بالإمارات، وتأسيس برامج أكاديمية في قطر، والعراق، ليست مجرد أخبار متفرقة، بل هي فصول في قصة طويلة.
إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة اقتصادية أو تعليمية، بل هو سؤال وجودي يعيد صياغة علاقتنا بكل أشكال الحياة والإنتاج الأكثر ارتباطا بالإبداع الإنساني.
فحين يكتب الذكاء الاصطناعي قصيدة أو يؤلف مقطوعة موسيقية، نجد أنفسنا أمام سؤال قديم جديد: ما معنى الإبداع؟ أيكون الإبداع حكرا على الإنسان، أم إنه قدرة تنبثق من أي منظومة قادرة على التعلم والابتكار؟
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يهدد بإلغاء بعض الوظائف، فهو أيضا يفتح الباب أمام وظائف فكرية وجمالية جديدة تجعلنا نعيد النظر في معاني العمل والقيمة والهوية.
لقد أدرك أسلافنا أن الترجمة لم تكن تهديدا للذات بل إثراء لها. واليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون بالنسبة لنا ترجمة جديدة، لكنها ليست ترجمة من لغة إلى أخرى، بل من عالم إلى آخر: من الورق إلى الشاشة، من النص إلى الخوارزمية، ومن المحسوس إلى الرقمي.
إن مبادرات التعليم والبحث والابتكار في العالم العربي ليست متجانسة، وبعضها لا يزال محدود الأثر، وما زال يحتاج إلى الكثير من الجهد، خاصة في مجال حوكمة وأخلاقيات استخدام هذه التكنولوجيا.
لكنها تشي جميعا بوعي جديد يتشكل، يشير إلى أن العرب لا يريدون أن يكونوا متفرجين على الثورة الرقمية. من هنا، تأتي أهمية الربط بين ما يجري اليوم وبين إرثنا التاريخي. فكما حمل هارون الرشيد والمأمون همّ أن يكون للعرب لسان في عصرهم، نحن مطالبون بأن يكون لنا خوارزمية في عصرنا.
إن افتتاح كلية الإنسانيات الرقمية في مصر، واعتماد الذكاء الاصطناعي في مناهج التعليم بالإمارات، وتأسيس برامج أكاديمية في قطر، والعراق، ليست مجرد أخبار متفرقة، بل هي فصول في قصة طويلة. إنها محاولات جديدة للإجابة عن السؤال الذي رافق العرب منذ قرون: كيف نكون جزءا من العالم دون أن نفقد ذاتنا؟
ربما يكون هذا هو بيت الحكمة الجديد، لا جدران له ولا مكتبات مغلقة، بل هو فضاء مفتوح يتقاطع فيه التاريخ مع المستقبل، وتلتقي فيه الخوارزميات مع الشعراء.
لعل اللحظة قد حانت لنكتب نحن، بلغتنا وثقافتنا، فصلا جديدا في علاقة العرب بالمعرفة.
العرب والذكاء الاصطناعي: هل يعود زمن النهضة؟
شارك:

صورة العرب و الذكاء الاصطناعي
سمات:
مواضيع ذات صلة
المزيد من AI






