شعار مجلة وفاء

سوريا نهضة عالمية

شارك:

سوريا نهضة عالمية

موفق إبراهيم

لا شك أن القضاء على نظام الأسد الديكتاتوري هو من أهم الأحداث في تاريخنا المعاصر الحالي، كما وأنه لن يحدث مثله بين الدهر والآخر، لما له من تأثيرات وتحولات على مصالح منطقة الشرق الأوسط وبلدانها، بل على العالم أجمع.

حدث يمكن أن نسميه بالمعجزة لِما كانت هيمنة وسيطرة بعض الدول الإقليمية على سوريا لمدة طويلة من الزمن.

ها قد هزموا، وتم القضاء على نظام الأسد الظالم وأُخرجت ايران التي كانت المصب الأساسي لممارسة النفوذ على العواصم العربية، وزعزعت استقرار دول الخليج، وتهريب وصناعة المخدرات، وحزب الله ودويلة الكبتاغون ومحور المقاومة من سوريا وهُزم الهلال الشيعي.

نعم كل هؤلاء هزموا وتم تحرير سوريا من النظام الروسي والنظام الايراني وعصابات حزب الله التي فتكت بالشعب السوري.

نعم انه أبو محمد الجولاني الذي انفصل عن القاعدة وجبهة النصرة التي أصبحت جبهة فتح الشام ومن بعدها هيئة تحرير الشام، فحارب داعش لمحاولة تحسين هيئة الشام ومكانته وقدرته على توحيد الفصائل مع الدول العالمية والعربية.

لا احد كان يصدق أن أبو محمد الجولاني الذي قد قال منذ 10 سنوات بخطاباته سوف يحرر سوريا، ونفذ ما قاله وفعله، حتى أُصبحت حقيقة.

لا أحد كان يتوقع لا في الشرق الأوسط ولا من العالم أجمع ان ينجح هذا الزعيم الشاب بما يخطط له. فهو كان مؤمن بما يفعله ويريده، طموح للغاية حتى انه راهن على نفسه بحكمة قيادية فريدة من نوعها وبُعد لا مثيل له، ولا أحد كان يصدقه أو أن يأخذه على جديته بأنه سيحرر سوريا يوماً ما، حتى باتت قصة نضاله تشبه رواية أو سيناريو هوليوودي.

خطوة بخطوة وصبرٍ ونفسٍ طويل. قد بدأ مشروعه بتوحيد ميليشيات ومقاتلين مختلفة ومتنوعة للغاية تحت هدف واحد هو تحرير سوريا.

يا لها من قصة ورواية التي أصبحت حقيقة لا مثيل لها.

استطاع الشرع بقدرته الذكية على لم شمل المقاتلين وجعل ايدولوجية الجهاد الهدف الأساسي ضد النظام السوري فقط لا غير. انها قناعة فائقة التصور، وانضباط باحتراف قد طغت على الثورات العالمية السابقة في تاريخنا وباتت تُصنف من أحدث واجمل الثورات التي سوف تدخل التاريخ من بابه العريض.

هذا الزعيم الشاب أو أبو محمد الجولاني اسقط نظام مجرم حكم سوريا منذ أكثر من 5 عقود من الزمن. وشهد العالم على مأساة شعبٍ عانى آخر 14 عاماً من نظام الأسد الذي فتك وقتل شعبه بالـ "الكيماوي" ولم يستطع أحد أن يردعه ويُوقف هذه الجريمة المروعة.

فقط أبو محمد الجولاني استطاع أن يسقط هذا النظام بحملة "ردع العدوان" التي استمرت 12 يوماً، حيث وصل الى دمشق فاتحاً مجيداً اموياً، ووقف وقفة المنتصر ينظر الى العاصمة، يلبس بذلته العسكرية ويقود جيش متمرد لتولى السلطة بدون دماء. بل أنه انحنى لله ومسدس يخرج من حزام خصره وهو يخفض جبينه الى الارض. لا أحد كان يتوقع أن يحصل كل هذا...

هذا الزعيم الشاب أبهر العالم بذكائه وحنكته، واثبت أنه ليس فقط قائداً عسكرياً بل زعيماً سياسياً بل ولقب بـ "الشيخ الفاتح". إنه صاحب كاريزما عالية، ثقف نفسه بنفسه، خطيب بالدرجة الأولى ورجل براغماتي وزعيم تكتيكي بارع.

تحول أبو محمد الجولاني الاسم العسكري الى اسمه الحقيقي المدني " أحمد الشرع" وخلع بذلته العسكرية ولبس بذلة كحلية مفصلة وربطة عنق ولحيته أقصر مما كانت عليه ودخل المعترك السياسي قائداً لسوريا.

قال أمام الشعب السوري أن الثورة قد انتهت، وفوراً تبنى خطاباً سياسياً عقلانياً ومتوازياً كأنه سياسياً مخضرماً عصرياً، وممثلاً لجيل جديد من القادة الواعدين في العالم العربي.

مع انتهاء تحرير سوريا من النظام السوري المجرم ومع انتصار الثورة السورية تكون قد انتهت الحقبة السوداء من تاريخ سوريا.

توجه الشرع بخطابه الى المقاتلين في قواته لحثهم على تجنب أي انتهاكات ضد الشعب السوري وركز بذكائه على بناء سلام مستدام ومنع الانتقام وتقبل التنوع العرقي والديني في سوريا، لأن هدفه هو تحرير سوريا وليس مهاجمة شعبه ولا دول الغرب.

حقق هذا الزعيم الشاب ما اعتقده الكثيرون من المستحيل تحقيقه. وأظهر درجة عالية من الانضباط العسكري. كما وتجنب الخطاب الانتصاري متحدثا عن العدالة والمساواة وعن وحدة الشعب السوري وإعادة الاعمار.

وقد جاءت كلماته في مكانها ومؤثرة بالنسبة للشعب السوري المرهق من الحرب. حيث أن نصف سكان سوريا 13 مليون في المنفى أو نازحين داخلياً او خارجياً أو يعيشون في الخارج كلاجئين، وتوفي حوالي مليون شخص. فإن الشعب السوري بأجيالٍ كاملة عانت من صدمات نفسية هائلة.

لا شك ان سوريا الجديدة هي تحول زلزالي في المشهد الشرق الأوسطي والعالم، وهو مذهل للتاريخ.

بعد تولي الشرع الحكم كانت أول أولوياته انه استورد حكومته الناجحة من ادلب لتكون حكومة انتقالية لسوريا.

لقد نجح في إدارة ادلب أمنياً وحتى اقتصادياً وكانت أكثر المناطق نمواً في سوريا. واثبت الشرع أنه زعيم سوري بارز انتقل بشكل دراماتيكي من القيادة العسكرية الى الحكم السياسي، وانتقل لمصلحة سوريا الجديدة، فهي نقلة نوعية فريدة أعادت سوريا لتشكيل هويتها السياسية بعد سنوات من العزلة، بعد خروج من حرب طويلة وعقود من الديكتاتورية وبات هذا الزعيم الشاب رجل دولة من الطراز الأول وشريك رسمي واساسي مع المجتمع الدولي في حربه ضد تنظيم داعش.

هذا الزعيم الشاب كانت لديه دائماً خطة لكل شيء، ومنها بناء دولة حديثة مدنية شاملة، وأثبت أن لديه مهارات ديبلوماسية رائعة في تعامله مع الدول الأجنبية والعالم اجمع.

واصل إنجازاته وترك بصمته في كتابة تاريخ بلاده، فاتبع الانفتاح في العلاقات الخارجية التي هي عنصر أساسي في بناء سوريا الجديدة، سوريا الحديثة والسلمية المستقرة ضمن حدودها الجغرافية.

فاستطاع الشرع في مدة زمنية قصيرة ان يقدم نفسه كقائد وطني براغماتي يحكم سوريا بطريقة معتدلة ووطنية.

تابع الشرع إنجازاته حيث أنه زار السعودية لتكون أول بلاد يزورها تليها تركيا، واجتمع مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السعودية برعاية ولي العهد محمد بن سلمان والرئيس التركي اردوغان، ونتج بسياسته اعادة ادخال سوريا في اللعبة الدبلوماسية الاقليمية واعادة تشكيل للعلاقات الدولية.

فمنذ ان اصبح الشرع رئيساً لسوريا قام بـ21 زيارة دولية الى أكثر من 14 دولة. وتحولت العلاقات بين سوريا وجيرانها العرب الى نجاحات لا تُصدقـ كما وترى دول الخليج صعود الشرع كفرصة لإعادة ترسيخ سوريا في التيار العربي.

كما وأن زيارة الولايات المتحدة طبعاً هي المكافأة الأميركية والعالمية في الجمعية العامة للأمم المتحدة كرئيس لسوريا لحظة انتقالية منذ زمن، وأثبت بحضوره وخطابه الذي قوبل بإعجاب أنه زعيم سوريا الذي صنع التاريخ.

ولكن الأكثر اهمية هي زيارته للبيت الأبيض التاريخية وهي الاولى لرئيس سوري منذ عام 1945، فرحب به الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحفاوة.

ورفعت اميركا العقوبات المعروفة قانون قيصر عن سوريا. ولا شك انها خطوة عالمية والطريق الى الامام من دعم إقليمي دولي لتخفيف الضغوط الاقتصادية والدعم لبناء المؤسسات وتطوير الحكم.

حتى الآن إنجازات لا تُعد ولا تُحصى وعملية النهضة الحقيقية لسوريا، أقلعت وبسرعة وسوريا الجديدة تسير بمشروع إعادة الاعمار واكثر، وإعادة بناء مؤسسات الدولة من المساعدات الاقليمية وتمجد عملية حقيقية للسيادة الوطنية.

أخيرا وليس آخراً، يجب علينا ان نمنح هذا البلد وحكومته الجديدة فرصة لبناء نفسها داخلياً وخارجياً، ولا شك ان سوريا تعيد بناء نفسها ومصممة على استعادة مجدها وكرامتها.

بقلم المدير العام ورئيس التحرير

موفق إبراهيم

اشترك في النشرة البريدية

ليصلك جديد وفاء مباشرة إلى بريدك الإلكتروني حسب اهتماماتك