تتقلب في سريرك، وتحدق في ضوء الصباح. ينتابك شعور غريب، وكأن شيئًا مهمًا قد حدث للتو. كنت في مكان ما، تفعل شيئًا ذا شأن. لحظة، هل كان معك أحد؟ يتلاشى هذا الشعور في ثوانٍ، كما يتلاشى الماء بين أصابعك. حلم آخر، تلاشى إلى الأبد.
إنها إحدى أكثر ألغاز الحياة إحباطًا. تقضي نحو ست سنوات من عمرك تحلم، ومع ذلك، تتلاشى معظم تلك الأحلام بمجرد أن تفتح عينيك. في بعض الصباحات، تستيقظ بذكريات حية لأحداث كاملة تدور في ذهنك. وفي أيام أخرى؟ لا شيء سوى فراغ حيث يفترض أن تكون أحلامك.
إليك ما لا يدركه معظم الناس: هذا لا يحدث صدفة. دماغك يعمل بنشاط ضدك، وهناك أسباب علمية مثيرة وراء ذلك.
يتوقف نظام الذاكرة لديك عن العمل عندما تحلم
لنكن واقعيين، دماغك يخونك كل ليلة. خلال نوم حركة العين السريعة، تكون مناطق الدماغ المسؤولة عن نقل الذكريات إلى الذاكرة طويلة الأمد أقل نشاطًا، مما يعني أن الآلية التي تحتاجها لتذكر الأشياء تتوقف عن العمل.
تخيل الأمر كمحاولة حفظ مستند على جهاز الكمبيوتر بينما خاصية الحفظ معطلة. يُعزى هذا النسيان البيولوجي إلى غياب هرمون النورأدرينالين في القشرة الدماغية، والذي يلعب دورًا حاسمًا في تكوين الذاكرة. تبقى العمليات التي تسمح لنا بتكوين ذكريات طويلة الأمد خاملة إلى حد كبير أثناء النوم، ويكون مستوى النورأدرينالين منخفضًا جدًا خلال الأحلام. تتشكل أحلامك في الوقت الحقيقي، لكنها تُكتب بحبر يتلاشى.
نموذج استرجاع الإثارة يفسر كل شيء
يفترض نموذج استرجاع اليقظة أن الاستيقاظ أثناء النوم ضروري لترسيخ آثار الأحلام في الذاكرة طويلة الأمد. وبعبارة أبسط، أنت بحاجة إلى الاستيقاظ أثناء الحلم أو بعده مباشرة حتى تتمكن من تذكره.
ولهذا السبب، غالبًا ما يتذكر الأشخاص ذوو النوم الخفيف أحلامًا أكثر من ذوي النوم العميق. فقد أظهرت الدراسات أن من يتذكرون أحلامهم بكثرة يمرون بفترات استيقاظ أكثر بمرتين من أولئك الذين يتذكرونها بشكل أقل، كما أنهم أكثر استجابة للأصوات أثناء النوم. فإذا كان شريكك يشخر أو انطلق إنذار سيارة في الخارج، فقد تكون تلك اللحظة القصيرة من الوعي هي ما ينقذ حلمك من النسيان. ويشهد من يتذكرون أحلامهم باستمرار فترات استيقاظ أطول خلال الليل، وهو ما يدعم فكرة أنك تحتاج إلى الاستيقاظ أثناء الحلم لتتمكن من تذكره.
عقلك يريدك بشدة أن تنسى
أعلم أن الأمر قد يبدو غريبًا، لكن بعض الباحثين يعتقدون أن الدماغ يمحو الأحلام عمدًا. إذ تساعد خلايا MCH العصبية الدماغ على نسيان المعلومات الجديدة التي قد تكون غير مهمة، وقد يمنع تنشيط هذه الخلايا تخزين محتوى الأحلام في الحصين. هذه ليست مشكلة في النظام، بل هي ميزة.
قد يرغب دماغنا في أن ننسى الأحلام لأنها قد تكون ناتجًا ثانويًا لمعالجة الذاكرة، وليس من مصلحتنا الخلط بين الهلوسات الواضحة والواقع. تخيل أن تستيقظ غير قادر على التمييز بين الذكريات الحقيقية وذكريات الأحلام. لن تعرف أبدًا ما إذا كنت قد أجريت تلك المحادثة مع مديرك بالفعل أم أنك حلمت بها. دماغك يحميك من هذه الفوضى المحتملة.
توقيت استيقاظك أهم مما تتصور
تكون احتمالية تذكر الأحلام في أعلى مستوياتها عند الاستيقاظ من مرحلة حركة العين السريعة، حيث تصل إلى نحو 80%. أما عند الاستيقاظ من مراحل النوم الأخرى، فتنخفض هذه الاحتمالية بشكل ملحوظ.
وهنا تكمن المفارقة. فكلما اقترب موعد استيقاظك لبدء يومك، ازداد نشاط دماغك، مما يجعل أحلام الصباح أكثر وضوحًا وثباتًا في الذاكرة. وتُعد ساعات الصباح الباكر، عندما تتنقل بين النوم والاستيقاظ، بيئة مثالية لتذكر الأحلام.
أما إذا كنت تستيقظ على صوت المنبه كل صباح، فمن المرجح أن تتذكر أحلامك بدرجة أقل، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن المنبه قد يوقظك من النوم العميق ويرفع مستويات الكورتيزول، مما يخرجك من النوم فجأة ويوجه انتباهك مباشرة إلى متطلبات اليوم.
بعض الأدمغة ببساطة مصممة بشكل مختلف لتذكر الأحلام
أظهر الأشخاص الذين يتذكرون أحلامهم باستمرار تدفقًا دمويًا أعلى في منطقة التقاء الفصين الصدغي والجداري أثناء نوم حركة العين السريعة، ومرحلة النوم الثالثة (N3)، واليقظة، وكذلك في القشرة الجبهية الإنسية أثناء نوم حركة العين السريعة واليقظة. ماذا يعني هذا؟ إن أدمغة بعض الأشخاص مهيأة لتذكر الأحلام بشكل أفضل من غيرهم.
يميل الأشخاص الانطوائيون والمتأملون إلى تذكر المزيد من الأحلام، بينما يميل الأشخاص المنفتحون والعمليون إلى تذكر عدد أقل منها. كما يرتبط الخيال الواسع، والاستجابة للتنويم المغناطيسي، وبعض مقاييس الإبداع بزيادة القدرة على تذكر الأحلام. فإذا كنت تقضي وقتًا طويلًا في عالمك الداخلي خلال ساعات اليقظة، غارقًا في أحلام اليقظة والتأمل، فمن المرجح أن يحافظ دماغك على هذا النمط أثناء النوم أيضًا.
يؤثر العمر على مدى قدرتك على التذكر
يتذكر الشباب أحلامًا أكثر من كبار السن، وتزداد قدرة الأطفال على تذكر الأحلام منذ أن يصبحوا قادرين على التواصل، ثم تستقر من بداية المراهقة وحتى أوائل العشرينات، قبل أن تتراجع تدريجيًا لدى البالغين. بصراحة، هذا يجعل سنوات الجامعة، عندما كنت تتذكر كل تفصيل غريب، أكثر منطقية.
ليس هذا التراجع حادًا، لكنه حقيقي. تبلغ قدرتك على تذكر الأحلام ذروتها في الصغر، ثم تتلاشى تدريجيًا مع التقدم في السن. وفي ذلك شيء من المرارة والحلاوة، وكأنك تفقد اتصالك بجزء من نفسك لم تكن تدرك أنه يتلاشى.
فرضية تداخل البروز تُغير قواعد اللعبة
ذاكرة الأحلام هشة للغاية، وغالبًا ما تتلاشى في غضون ثوانٍ، ما لم تركز انتباهك عليها فور استيقاظك. وتبقى هذه الذاكرة الهشة ما دامت خالية من أي مشتتات أو تداخلات، وإلا تُنسى الأحلام لإفساح المجال أمام الذاكرة لاستيعاب أحداث اليوم التالي.
وهذا يفسر لماذا يُعد تفقد هاتفك أول شيء في الصباح بمثابة ضربة قاضية لتذكر الأحلام. ففي اللحظة التي يتحول فيها انتباهك إلى أي شيء آخر، سواء كان بريدًا إلكترونيًا، أو أخبارًا، أو قائمة مهام اليوم، يبدأ الحلم بالتلاشي.
لذلك، فإن تخصيص لحظة عند الاستيقاظ، حتى قبل أن تحرك جسدك، للتفكير فيما كنت تحلم به، يساعد على نقل الحلم من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. فأفكارك الأولى عند الاستيقاظ هي التي تحدد ما إذا كنت ستتذكر حلمك أم لا.
عامل الشدة العاطفية يجعل الأحلام أكثر رسوخًا
كانت التجارب الحديثة التي اندمجت في أحلام حركة العين السريعة (REM) وأحلام النوم العميق (SWS) ذات شدة عاطفية أعلى بكثير من التجارب الحديثة التي لم تندمج فيها، بغض النظر عن طبيعة المشاعر. فلم يكن مهمًا ما إذا كانت المشاعر إيجابية أم سلبية، بل مدى شدتها.
تميل بعض الأحلام إلى البقاء في الذاكرة لجمالها أو غرابتها، إذ تجذب انتباهنا وتزيد من نشاط قشرة الفص الجبهي الظهرية الجانبية، لذلك كلما كان حلمك أكثر إثارة للإعجاب، زادت احتمالية تذكره. أما الكوابيس التي يصعب نسيانها، فتبقى عالقة في الذهن لأنها تثير استجابات عاطفية قوية. ويُصنف دماغك التجارب الشديدة على أنها مهمة، حتى وإن حدثت في الأحلام.
يمكنك بالفعل تدريب عقلك على تذكر المزيد
من الممكن تدريب الدماغ على تذكر المزيد من الأحلام، والتقنيات بسيطة للغاية. فمجرد محاولة تذكر الأحلام، أو حتى الإحاطة بنفسك بسياق غني بالمراجع المتعلقة بها، يمكن أن يزيد مؤقتًا من قدرتك على تذكرها.
يكمن السر في الاستمرارية والنية. احتفظ بمفكرة بجانب سريرك، ودون فيها كل ما تتذكره من تفاصيل الحلم، حتى لو كانت مجرد صورة أو شعور. فعندما تخصص وقتًا لتدوين الحلم، تبدأ تفاصيل إضافية، وأحيانًا أحلام أخرى، بالظهور تلقائيًا أثناء استرجاعه وكتابته.
ابقَ ساكنًا فور استيقاظك، وراجع ما تتذكره قبل القيام بأي شيء آخر. بل إن بعض الأشخاص يشربون الماء قبل النوم ليستيقظوا طبيعيًا عدة مرات خلال الليل، مما يمنحهم فرصًا أكبر لتذكر الأحلام أثناء حدوثها.
الخلاصة: الأحلام التي تفقدها وتلك التي تحتفظ بها
الحقيقة أبسط وأكثر تعقيدًا مما قد تتخيل. عدم قدرتك على تذكر الأحلام ليس عيبًا شخصيًا ولا دليلًا على وجود مشكلة ما، بل هو نتيجة عمليات عصبية متعمدة صُممت للحفاظ على صفاء ذهنك وكفاءة حياتك اليومية. يمنح دماغك الأولوية للذكريات المهمة للبقاء وأداء مهامك اليومية، ومعظم الأحلام لا تندرج ضمن هذه الفئة.
لكن ثمة شيء عميق في الأحلام التي تخترق حاجز الوعي. تلك الأحلام الواضحة، أو المؤثرة، أو الغريبة بما يكفي لتستقر في ذاكرتك رغم كل العقبات البيولوجية. إنها الأحلام التي تستحق الاهتمام. فقد شقت طريقها عبر أنظمة الذاكرة الأقل نشاطًا، ومستويات النواقل العصبية المنخفضة، ومتطلبات حياتك اليومية.
وربما تكون الرسالة الحقيقية هي: ليس كل حلم يحتاج إلى أن يُتذكر، لكن الأحلام التي تبقى عالقة في الذهن قد تستحق التأمل.
ماذا ستتذكر عندما تستيقظ غدًا؟
السبب الحقيقي وراء عدم قدرتك على تذكر أحلامك
شارك:

السبب الحقيقي وراء عدم قدرتك على تذكر أحلامك
سمات:
اشترك في النشرة البريدية
ليصلك جديد وفاء مباشرة إلى بريدك الإلكتروني حسب اهتماماتك
مواضيع ذات صلة
المزيد من طب و صحة






